هل يحقق براهيمي ورفاقه ما لم يحققه بلومي وزملاؤه ؟
أخيرا تعرّف الخضر على منافسيهم الأوائل في المونديال الإفريقي، وإذا كان جميعهم قد أقرّوا بصعوبة المهمة وباحترامهم لمنافسيهم، في وجود ثلاثة منتخبات سبق لها وأن شاركت في المونديال واثنان منها بلغا الدور ربع النهائي منه، وهما السنغال وغانا اللذان حققا ما لم تحققه الجزائر في تاريخها، وجنوب إفريقيا التي احتضنت المونديال الذي مازال أمام الجزائر ربما قرون لاحتضانه، إذا كان الجدل قد اشتعل حول وزن هذه المنتخبات القوية فإن القرعة لم تكن تشكل أي حدث لمنتخب الثمانينات الذي كان يرى كل المنافسين في المتناول فيدخل ثوب البطل من عام 1980 إلى عام 1986 ويخرج فارغ اليدين.
وواضح أن المقارنة مستحيلة بين الجيلين، كما هو مستحيل المقارنة بين بيلي وميسي، لكن دخول نجوم الثمانينيات في هذا الجدل، هو الذي يدفع إلى استخراج أرشيف المباريات التاريخية التي لعبها الخضر في زمنهم الذهبي، الذي بلغ أكثر من ست سنوات بنفس التشكيلة ماعدا بعض الاستثناءات.
وكان هذا الجيل الذهبي قد شارك مرتين في المونديال، حقق خلالهما انتصارين وتعادلا واحدا وثلاث خسائر، وشارك أربع مرات في كأس أمم إفريقيا من عام 1980 في نيجيريا إلى عام 1986 في مصر، ولم يحقق الأداء الباهر إلا في أمم إفريقيا في كوت ديفوار عام 1984، وإذا كان النجم صالح عصاد قد تحدث عن صعوبة اللعب في قلب إفريقيا في الثمانينات، فإن الخضر لعبوا دورتين في شمال إفريقيا، إحداهما وكان نجمها بلا منازع صالح عصاد في عام 1982 في ليبيا على أرضيات من العشب الاصطناعي، وأمام الآلاف من مناصريهم في بنغازي، ودورة مصر، ولم تكن حينها المنتخبات الإفريقية قد بلغت النضج الحالي، ولم تكن تمتلك لاعبا واحدا محترفا في الخارج، لولا تواجد الكاميرون التي اكتسبت روجي ميلا المحترف في فرنسا، ومن بعده الحارسان توماس نكونو وأنطوان بيل في إسبانيا وتوكوتو في الولايات المتحدة، لكانت الدورات أشبه بالبطولة الإفريقية للاعبين المحليين.
التاج الإفريقي أدار ظهره للجيل الذهبي
عاد الخضر إلى كأس أمم إفريقيا عام 1980 في نيجيريا بعد غياب دام 12 سنة، وكان حينها الثلاثي الذهبي ماجر وبلومي وعصاد في الـ 22 من العمر، وحقق الخضر في الدور الأول انتصارين وتعادلا واحدا، فواجهوا في الدور نصف النهائي المنتخب المصري في آبيدان وكان يضم نجمه الكبير محمود الخطيب، وسارت المباراة في بدايتها لصالح المصريين الذين سجلوا هدفين، قبل أن يتمكن عصاد من تقليص الفارق بهدف الأمل، وعدّل في المرحلة الثانية المرحوم حسين بن ميلودي النتيجة، وبقيت المباراة سجالا في وقتيها الإضافيين، ولكن مهدي سرباح تألق بتوقيف ضربتي جزاء، منحتا الخضر التأهل للنهائي، ولكن الخيبة حدثت في اللقاء النهائي رغم البداية القوية التي منحت بن ميلودي فرصة لتسجيل هدف ردّه القائم الأيسر للحارس النيجيري، ليبدأ بعد ذلك مهرجان التهديف في مرمى سرباح الذي تلقى ثلاثية كاملة.
وفي دورة ليبيا 1982 كانت كل الترشيحات تصب في خانة الخضر، الذين فازوا بشق الأنفس في آخر دقيقة في بنغازي أمام زامبيا، من تسجيل شعبان مرزقان، ثم حوّلوا خسارتهم بهدف أمام نيجيريا إلى فوز بهدفين، كان أجملهما من رأسية عصاد الذي حوّل فتحة جميلة من ياحي إلى الشباك، وفي اللقاء الثالث عجز ماجر ورفاقه عن تحقيق الفوز، وتعادلوا من دون أهداف أمام إثيوبيا، وفي الدور نصف الهائي استعان خالف بالمحترف الوحيد في نادي كورتري البلجيكي، جمال زيدان، فسجل هدفا وسجل عصاد أيضا برأسه، ولكن خطأ من الحارس سرباح وبطاقة حمراء للقائد فرقاني، بخرت الحلم وانتهت المواجهة بعد الوقت الإضافي لصالح غانا بثلاثية مقابل هدفين، وحتى المرتبة الثالثة ضاعت من ماجر الذي ضيع فيها ضربة جزاء، فكانت الغلبة لصالح زامبيا بهدفين نظيفين، وفازت باللقب غانا بضربات الترجيح أمام البلد المنظم ليبيا.
أما في دورة كوت ديفوار عام 1984 التي شهدت نضجا كبيرا لرفقاء بلومي، فقد لعب فيها الخضر أحسن دورة في تاريخ مشاركاتهم إلى حد الآن، فكانوا فعلا أبطالا من دون تاج، سيطروا على كل منافسيهم ولولا تلك المباراة البيضاء التي لعبوها ضد نيجيريا، والتي ذكّرت العالم بمباراة النمسا أمام ألمانيا الغربية في مونديال إسبانيا لكانت العلامة بالكامل للخضر، الذين واجهوا في أول لقاء مالاوي التي فاجأتهم بسيطرتها المطلقة على المباراة، وتعاطف الإيفواريون مع مالاوي الصغيرة ضد المنتخب المونديالي، ولكن الخضر في ظرف عشر دقائق في الشوط الأول أنهوا المباراة بثلاثية جميلة من فرقاني ومناد وبلومي، واكتفوا بدحرجة الكرة بين أقدامهم في الشوط الثاني، وفي اللقاء الثاني قدموا لغانا درسا بليغا في لعبة كرة القدم، فهزموها بهدفين نظيفين، ولو ساعدهم الحظ لسجلوا أكثر من عشرة أهداف من دون أن يتفاجأ من شاهد اللقاء، وكان يكفيهم رفقة نيجيريا التعادل، فسعوا إليه في مباراة بيضاء أساءت إلى الكرة الجزائرية. في الدور نصف النهائي اصطدموا بالعملاق الكامروني، وقدموا رفقته مباراة عالمية كان فيها كل شيء إلا الأهداف خلال 120 دقيقة، قيل حينها بأنها أحسن مباراة لُعبت في تاريخ القارة السمراء باعتراف الصحافة الفرنسية، التي شبهتها بمواجهات البرازيل أمام الجار الأرجنتيني، وفي ضربات الترجيح ابتسم الحظ لرفقاء روجي ميلا، وبرهن رفقاء ماجر عن قوتهم في اللقاء الترتيبي، ضد المنتخب المصري حيث خنقوه سيطرة وأهدافا، في الثانية الأخيرة من المباراة منح الحكم، ضربة جزاء خيالية أبقت النتيجة بثلاثية مقابل واحد، وجاء الإجماع على أن الخضر كانوا الأحسن في الدورة.
منتخب مونديالي على طرفي نقيض
ومن مرشح قوي تأهل بسهولة للمونديال، سافر الخضر إلى مصر عام 1986 وفي نيتهم تعويض خيبات الدورتين السابقتين، ولكنهم اكتفوا في المباراتين الأوليين بتعادلين محيّرين أمام المغرب وزامبيا، وصاروا مجبرين على الفوز على الكامرون بنجمها روجي ميلا في الإسكندرية أمام جمهور مصري كان يشجع بقوة الكامرونيين، فسجل ماجر هدف الأمل الأول، ولكن غضب ميلا اندلع وانتهت المواجهة بخسارة بثلاثية مقابل هدفين، فغادر الخضر الدورة المصرية من الدور الأول بقيادة رابح سعدان، وفاز باللقب البلد المنظم بعد فوزه بضربات الترجيح أمام المنتخب الكاميروني، وشارك بعد ثلاثة أشهر الخضر بمنتخبهم الذهبي في المونديال المكسيكي، وتفككت التشكيلة ولم يبق منها غير بلومي في كان 1988 التي فاز فيها بالمركز الثالث، ولم يبق منها سوى ماجر ومناد عام 1990 في الجزائر، التي فاز فيها باللقب، ويمكن القول إن رائحة جيل الثمانينات كانت غائبة في التتويج بلقب أحرزه الخضر في الجزائر في أجواء ماطرة وأيضا في غياب كبار القارة، ومنهم مصر التي لعبت بمنتخبها الثاني والمغرب وتونس. وبالتأكيد فإن التتويج لو يتحقق في غينيا الاستوائية، فإن الخضر سيحققون أهم لقب قاري في تاريخهم بعد أن حققوا أهم مشاركة مونديالية في تاريخهم.
في كل الدورات التي شارك فيها الخضر في الثمانينات كان الجميع ينتظر عودتهم بالتاج، فبقوا أبطالا على الورق فقط، وفي سفرية غينيا الاستوائية أقروا بصعوبة المهمة واحترموا منافسيهم.