بعد 20 سنة بدون جهاز للتخطيط والاستشراف
هل يفلح حميد تمار في وضع تصور لجزائر 2050؟
بينت الحكومة من خلال المعالجة السطحية للأحداث الأخيرة، أنها لا تتوفر على جهاز حقيقي مركزي لإنتاج الدراسات المستقبلية والاستشرافية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فضلا عن عدم توفرها على إستراتيجية محددة لتأطير وتنظيم وضبط السوق والاستجابة لمتطلبات المجتمع في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما وضع الحكومة في مواجهة الشارع .
- ويرجع الكثير من خبراء الاقتصاد والإستراتيجية، أن مرحلة الفوضى والارتجال في التخطيط، بدأت مع إلغاء الحكومة مطلع التسعينات وزارة التخطيط، حيث كانت الحكومة تعتقد أن جهاز التخطيط أو وجود وزارة للتخطيط يتعارض مع الاقتصاد الحر، بحسب الخبير الاقتصادي عبد الحق لعميري، الذي يشير إلى أن إلغاء وزارة التخطيط هو السبب الرئيسي لكل المصائب الاقتصادية والاجتماعية، بعد ما أصبحت كل وزارة تخطط لوحدها بدون تنسيق مع القطاعات الأخرى، وأصبح الجسد الجزائري خاضع لعدد كبير من مراكز التفكير، متضاربة في الغالب، في الوقت الذي حافظت فيه الدول الرأسمالية المتطورة على جهاز واحد للتفكير وإصدار القرار وتحديد الاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
- ولم يرافق إلغاء وزارة التخطيط، وضع أجهزة قوية للتفكير الاستراتيجي، مما تسبب في ضعف هيكلي على كل الأصعدة وخاصة مع التحرير الفوضوي للتجارة الخارجية سنة 1992، رافقه تحول غير طبيعي للاحتكار الطبيعي الذي كانت تمارسه الدولة إلى يد لوبيات واحتكارات خاصة، دعمت بروز قطاع مواز مدمر للبنية التحتية للاقتصاد الجزائري. بالإضافة إلى تدمير كل مراكز إنتاج، المعطيات الاستشرافية التي كانت ملحقة بوزارة التخطيط، مما حول الوزارات إلى مجرد مراكز لتسيير الملفات القطاعية الجارية وفق عزف منفرد لأزيد من 20 سنة، قبل أن يتقرر إعادة بعث وزارة للتخطيط والاستشراف، هي اليوم أقرب إلى الجسد الميت منها إلى العقل الذي سينجح في طرح تصورات إستراتيجية لجزائر 2030 أو 2050.
- ويقول الكثير من المتتبعين، أن حالة الاحتقان وانسداد الأفق الذي يعيشه المجتمع الجزائري، واضطراب الحكومة وسنها لقوانين متضاربة في المجال الاقتصادي، يعود لغياب أداة مرجعية للتفكير والاستشراف، كلف الدولة خسائر مادية كبيرة ستمتد انعكاساتها لعقود طويلة في حال لم تسارع الحكومة لتصحيح الوضع الناجم عن التسرع والارتجال والقفز على كل المعطيات الحقيقية واعتماد معطيات خطيرة صادرة عن منظمات دولية ذات نوايا خطيرة، والغريب أن الحكومة تسارع إلى اعتماد تلك الأرقام وإشهارها على أنها منجزات بدون أن يكون لها حرج من الحقائق على الأرض، وخاصة في مجالات التشغيل والسكن والبطالة وفي مجال القدرة الشرائية وجودة الخدمات الصحية والتربوية، وهو ما يتطلب وبسرعة إعادة النظر في الأرقام التي تريد الحكومة التسويق لها والاعتراف بمواطن الضعف وتصحيحها بدل الهروب إلى الأمام وتزييف الحقائق والدفع بالأمور نحو التعفن والتهرب من تحمل المسؤوليات والاختفاء وراء عبارة أن الجميع بدون برنامج وبدون تصور، وأن الجميع يسهر على تطبيق برنامج الرئيس، وهي كلمة الحق التي يراد من ورائها باطل كبير.