الرأي

هل يُفْشِل “التحيّز” وساطة واشنطن في قضية الصحراء الغربية؟

الشروق أونلاين
  • 211
  • 0

مشكلة الولايات المتحدة الأمريكية العويصة والتاريخية هي إنها تتدخل في بعض القضايا بدون دراسة مسبقة، وبدون تحليل موضوعي للقضية من جميع جوانبها. في قضية الصحراء الغربية، مثلا، حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل كوسيط عدة مرات، لكن تدخلاتها السابقة لم تكن جادة، وباءت بالفشل بسبب عدم معرفة الاسباب العميقة للصراع أو بسبب الانحياز للمغرب.

حثيات الوساطة الحالية

منذ نهاية سنة 2025م، حدثت تحركات أمريكية مشبوهة اتجاه قضية الصحراء الغربية، وتم الحديث على أن ترامب أدرجها في حزمة القضايا المستعصية التي يريد حلها، وأنه مصمم على ذلك.
لكن، للأسف، كل المؤشرات الحالية متشائمة وتؤكد أن هذا الاهتمام الأمريكي بحل القضية لم يكن موفقا للأسباب التالية:
أولا، ترامب الذي تقول إدارته الحالية إنها مهتمة بالحل، هو نفسه الذي ارتكب سابقا خطأ واعترف بالحكم الذاتي المغربي غير القانوني ورفض التراجع عنه.
ثانيا، البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة استغلت فرصة احتكارها الطويل أو شبه الدائم لصياغة القرارات الخاصة بالصحراء الغربية في مجلس الأمن، وحاولت أن تفرض قرارا في نهاية اكتوبر 2025م يكرس الحكم الذاتي كحل وحيد للقضية.
ثالثا، حاولت الولايات الأمريكية أن تنفرد بتطبيق القرار الأخير لمجلس الأمن 2797 وتدعو إلى مفاوضات تحت إشرافها الحصري لتطبيق القرار المذكور بدون حضور وإشراف الأمم المتحدة.
كل هذا يجعل المتابع العادي لتطورات القضية الصحراوية يستنتج، مسبقا، أن أهم صفة في أية وساطة يُراد لها النجاح وهي الحياد قد غابت عن المساعي الأمريكية الحالية في قضية الصحراء الغربية مما ينذر مبكرا بفشلها.
هل سيضبط مسعد بولس إبرة الميزان؟

يشرف الدبلوماسي الأمريكي، مسعد بولس، على الوساطة الأمريكية في قضية الصحراء الغربية. إلى حد الآن- نسطر تحتها- لم يشُط مسعد بولس في وساطته، وحاول أن يكون معتدلا ولبقا، فهو لم يصرح أي تصريح مخالف لقواعد الوساطة المحايدة، كما أنه، حتى يمتص ملاحظات البوليساريو، أشرك معه الأمم المتحدة في الإشراف على المفاوضات السابقة وإدارتها.
لكن إذا كان الوسيط مسعد بولس حاول أن يكون محايدا في تعامله مع الطرفين ومع تطبيق القرار 2797، فإن التصريحات المتزامنة التي صدرت عن سفيري الولايات المتحدة في نيويورك والرباط مؤخرا، عادت بالوساطة إلى نقطة البداية أو إلى ما يسمى المربع الأول، وأكدت المخاوف من عدم الحياد.
التصريح الأول غريب ومريب، وصدر عن السفير الأمريكي بالأمم المتحدة، وهو السفير مايك والتز، الذي نشر تغريدة على منصة ايكس يوم 6 ماي يدين فيها هجوم البوليساريو على قواعد عسكرية في مدينة السمارة المحتلة، وهذا خطأ فادح لِمَا للسفارة الأمريكية في الأمم المتحدة من دور في تسهيل للمفاوضات وتطبيق القانون الدولي.
التصريح الثاني صدر يوم 7 ماي عن سفير واشنطن في الرباط، ديوك بوكان، وادان الهجوم الصحراوي على مدينة السمارة، واستعمل كلمات غير لائقة، كما قام بزيارة إلى مدينة الداخلة المحتلة في خطوة يمكن تفسيرها إنها دعم للاحتلال.
التغريدتان، خاصة التي صدرت من السفير الأمريكي في الأمم المتحدة، وزيارة السفير الأمريكي الثاني في المغرب إلى مدينة الداخلة المحتلة وتصريحه هناك، تعني، في الاعراف السياسية، انحيازا فاضحا للمغرب، وخروجا عن مبدأ الحياد الذي يجب أن يتوفر في الوسيط.
هل للمخزن يد في تصريحات السفراء الأمريكيين؟
باعتماده على دعم الكيان الصهيوني له في قضية الصحراء الغربية مقابل دعمه في حرب إبادة شعب غزة، وهوسه بأن يسجل أكبر عدد من الانتصارات في عهدة ترامب، ومحاولته إدراج البوليساريو في قائمة الإرهاب الأمريكية، تشتغل بعثة وسفارة الرباط ليل نهار في نيويورك وواشنطن، منذ قصف البوليساريو لقواعد عسكرية في مدينة السمارة ، على ملف تحريض الإدارة الامريكية والكونغرس ضد البوليساريو، ولا يمكن استبعاد أن المخزن، ورغبة منه في شحن المتشددين الامريكان، يكون هو الذي دفع السفيرين الامريكيين إلى الإدلاء بالتصريحات السابقة لقلب المعادلة، ولو ظرفيا، لصالحه أمريكياً على الأقل.
التوقعات
كل المتابعين للوساطة الأمريكية في قضية الصحراء الغربية لا شك إنهم ينظرون إليها إنها غير جدية وأنها عرجاء بسبب غياب مبدأ الحياد، وبسبب عدم فهم الشعب الصحراوي وتاريخه وقوته وصلابته. وإذا كان المهتمون بتتبع الوساطة الأمريكية يشكون في نجاحها، فإن البوليساريو لم تتردد في انتقاد الإدارة الامريكية بسبب زيارة السفير الأمريكي في المغرب لمدينة الداخلة المحتلة.
إذن، الآن الوساطة الأمريكية وصلت إلى مفترق الطُّرق: إما أن يضبط مسعد بولس البوصلة الأمريكية ويفرض شروط الوساطة خاصة شرط الحياد، وإما أن تفشل مساعيه ومساعي رئيسه الباحث عن حلول مَهما كان نوعها للقضايا المزمنة.
الاحتمال وارد بنسبة كبيرة أن تفشل المساعي الأمريكية في قضية الصحراء الغربية إذا لم تنتبه إدارة ترامب، بسرعة، إلى الخطوط الحمراء مثل الحياد التام، حق تقرير المصير وإشراف الأمم المتحدة على أية عملية تقود إلى حل عادل. من جهة أخرى، لا يجب أن نغفل غرق واشنطن في حرب إيران وتداعياته مستقبلا على السياسة الأمريكية في جميع القضايا العالمية التي تحاول التوسط فيها. فالفشل الأمريكي في إيران سيجر إلى فشل متعدد في بقية القضايا التي تحلم واشنطن بحلها، ومن بينها القضية الصحراوية خاصة إذا جانبت الصواب والحياد.
السيد حمدي يحظيه

مقالات ذات صلة