الشروق تدخل قلعة الثوار وتتجول في "ميدان التحرير
هنا رفع العلم الجزائري وهنا سقط آل مبارك
يعتبر ميدان التحرير، واحدا من أكبر الميادين في القاهرة المصرية، حمل في البداية اسم ميدان الإسماعيلية، نسبة إلى الخديوي إسماعيل، ثم تغير الاسم، إلى ميدان التحرير، بمناسبة التحرر من الاستعمار في أعقاب ثورة 1919
-
وأصبح يحمل هذا الاسم رسميا، بعد ثورة 23 يوليو 1952، ويرمز ميدان التحرير، إلى حرية الشعب المصري وصموده، حيث شهد عدة مواجهات بين الشعب والسلطات الأمنية منها ثورة الخبز، في يناير 1977، والثورة المتواصلة منذ 25 يناير من عام 2011، والتي أسفرت عن سقوط نظام حسني مبارك، يحيط به مبنى المتحف المصري، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومجمع التحرير، الذي هو عبارة عن مجمّع للمصالح الحكومية، وفندق النيل هيلتون، والقصر القديم لمبنى وزارة الخارجيّة ومسجد عمر مكرم، الذي تحول أثناء الثورة الأخيرة، إلى منبر الثورة والثوار.
-
-
-
وتوجد بالميدان، إحدى أكبر محطات مترو القاهرة، وهي محطة السادات التي تضم الخطين الأول والثاني معا، ويعتبر الدخول إلى ميدان التحرير، قلعة الثوار المصريين، والحصن المنيع، ضد أزلام الرئيس المخلوع حسني مبارك، والبعض من أنصاره وبلطجيته الذين مازالوا ينشطون بشكل وبآخر، ويستهدفون الثوار في كل مناسبة تسنح لهم، ليس سهلا خاصة بالنسبة لنا كجزائريين، لأن ساحة ميدان التحرير، التّي لم تخل من آلاف الثوار منذ تاريخ الـ25 من يناير، من العام الجاري، تحرسها لجان شعبية من كل المداخل، وممنوع الدخول بالنسبة للمشكوك فيهم، وغير حاملي وثائق الهويّة، سواء المصريين أو الأجانب.
-
وبالنسبة لنا كجزائريين، الأمر صعب نوعا ما، لأنه وبالرغم من أن عامة الناس وعموم الشعب المصري، قد طوى صفحة الأحداث المؤلمة، والأزمة الكروية المصرية الجزائرية، إلا أنّ هناك من المتعصبين، الذين قد تكون فريسة سهلة لهم، خاصة وأن البلاد في فلتان أمني رهيب ، ركبنا “الميترو” رفقة مرافقنا المصري وليد، من محطة الدقي بالجيزة مكان إقامتنا، نحو محطة السادات الواقعة تحت ميدان التحرير بالضبط، قال لي مرافقي، اضبط نفسك على وثائق الهوية، واحذر قليلا من البطاقة المهنية، لأنه ليس كل المصريين نسووا الأزمة الكروية، ففضلت المرور عبر الحاجز الأمني الشعبي الذّي يقيمه الثوار، بجواز السفر، لكنّ اصطدمت بمشكلة أخرى، تتعلق بالمهنة والوظيفة، على جواز سفري، فتفاديت مجموعة من الشبان، واقتربت من فتاة تشاركهم الحراسة والمراقبة، لأنها على الأقل ستكون أرحم معي من شبّان قد يكونون من بلطجية مندسيّن، أعطيتها جواز السفر، “آه نعم أنت صحفي من الجزائر” أهلا كيفكم تفضل… ودخلنا ميدان التحرير، أحسست بالحرية فعلا، ساحة طويلة وعريضة تمتد على أرجاء واسعة، تسع لآلاف وآلاف المصريين والمصريات، من مختلف الأطياف والديانات، جاؤوا من كل حدب وصوب، وعسكروا هنا، منذ الـ25 من يناير، لأجل الإطاحة بالنظام الفاسد وبرغم المواجهات والاشتباكات وخراطيم المياه، وزجاجات المولوتوف، وقصف الدبابات في العديد من المرات، وبرغم “موقعة الجمل” الحادثة الأكثر عارا وذلا بالنسبة لحسني مبارك، إلا أنهم فضلوا البقاء هنا، وسقط مبارك، ولم تسقط المظاهرات والاعتصامات اليومية المتكررة.
-
هناك وقفت الشروق، على قائمة مطالب مازالت متواصلة، منها تحسين الأوضاع المعيشية، تسقيف الأجور، ووضع حد أدنى لها أيضا، تطهير جهاز الشرطة، ومنهم من ينادي بتطهير المجلس الأعلى العسكري، وإحالة بعض أعضائه على المحاكمة، على رأسهم اللواء المشير طنطاوي، تعويض عائلات شهداء الثورة، رفع القوانين المجحفة التي جاءت في زمن حسني مبارك..
-
-
شباب 6 آفريل.. سقوط مبارك هو البداية فقط
- تحدثنا مع شباب حركة 6 أبريل، المرابضة على يمين الميدان قبالة مسجد عمر مكرم، فقالوا بأن الثورة لم تنته، وهي لتوها بدأت، لأن التحرر، لايعني سقوط مبارك ومحاكمته، وأضاف أحد الناشطين للشروق “إحنا عاوزين تطهير مصر، من النجاسة، كل من تعامل مع مبارك وتقلد المسؤولية في زمنه فهو نجس، وغير ممكن أن يبقى في المسؤولية”، وقال عبد الحليم، أحد الطلبة الجامعيين، المنخرطين في الحركة، “لايهمنّا أن نبقى هنا ستّة أشهر أو عامين أو عامين، المهّم هو تحقّيق أهداف الثورة”، سألت أحدهم، وماذا عن رمضان، ” فقال بسرعة، “إحنا حنبقى هنا”، موائد للفطور والسّحور لجميع الناس الراغبة في صوم رمضان في ميدان التحرير، “وإذا أنتم هنا في رمضان، إحنا مستعدين ميّة أهلين وسهلين بكم”، استغربت من عزيمة وإصرار هؤلاء الشباب، لكن عندما يحدثنّي مرافقي المصري وليد، عن حجم الغبن والمعاناة والفقر والحصار الأمني، والظروف القاسيّة التي كانوا يعيشونها في زمن مبارك، أقتنع بما معناه أن الشدّة تلد الهمّة، وأخذني مرافقي بعدها، إلى مسجد عمر مكرم، بحثا عن إمام المسجد، الشيخ “ظاهر شاهين” الذي تحول أثناء الثورة وبعدها إلى “خطيب الثورة”، أردت الحديث معه، فدخلت المسجد وانتظرته هناك طويلا، لكنّ ممثلا عن شباب حركة 6 أبريل، قال لي بأن الشيخ في اجتماع طارئ تحضره عدة فعاليات وينشطّه ممثلّون عن المجلس الأعلى العسكري…المسجد ضيّق نوعا ما، لكنه وسع الآلاف في أثناء ثورة 25 يناير وبعدها، وتحوّل إلى مركز شحن ديني ضد رموز النظام الفاسد، وكان ولايزال الشيخ ظاهر شاهين هو من يؤم الثوار في الصلوات الخمس خلال الثورة وبعدها، وغير بعيد عن مسجد عمر مكرم، يقبع ممثلون عن جامع الأزهر، وسط خيمة كبيرة، يتواجد فيها مشايخ الأزهر وعلماؤه، وكل التيّارات الحزبية والحركات الشبانيّة والدينية والعرقية اتخذت لنفسها مكانا بميدان التحرير، حزب الوفد، على اليمين، وحركة كفاية على مقربة منه، ونحو 50 حزبا غير معلن ومثلها من الحركات الشبانيّة، وكلهم يرفعون شعارات من أجل مصر وحرية مصر ونهضتها، ومن أجل ثورة سلمية بأهداف حقيقية وفعلية، ولكن مرافقي قال لي، بأنّه كثيرا، ما يدخل هؤلاء في صدامات ومواجهات، بسبب الاختلاف في الرؤى، وتصادم المصالح، مضيفا “دانا خايف من أن الثورة لن تجنح، بسبب هذه التحركات السياسيّة، ورغبة الكثيرين في القفز عليها وعلى أهدافها لتحقيق أهداف شخصية وأخرى حزبية”، قبالة ميدان التحرير، بنحو 50 مترا، يتخذ أقباط مصر موقعا لهم أيضا، وبعيدا عن الميدان بكثير تقريبا في حدود شارع رمسيس، يتواجد بعض أنصار حسني مبارك من الذّين هم ضدّ خلعه وضدّ حبسه وضدّ محاكمته، ويحلمون بعودته لمنصبه، كرئيس للجمهورية المصرية، “حلم مستحيل أوي” قال وليد، لأن هؤلاء لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة من الشعب المصري، وهم في الأساس، من أولئك المنتفعين منه..
- ثوار ميدان التحرير رفعوا العلم الجزائري
- في الأيّام العصيبة للثورة المصرية، حاول بعض المصريين، التعبّير على أنّ ما حدث بين الجزائر ومصر، مجرد مؤامرة، فبركها حسني مبارك ونجلاه علاء وجمال، باستعمال أبواق إعلامية معروفة لدى جميع المصريين وغيرهم، وكرغبة منهم في التعبير عن ذلك، رفع المصريون العلم الجزائري جنبا إلى جنب مع العلم المصري، هاتفين بحياة الجزائر ومصر معا في إشارة إلى أن تلك المهزلة التي قام بها بعض المحامين المصريين بحرق العلم الجزائري كان خطأ فادحا، وقال مصريون تحدثنا معهم في هذا الصدد للشروق بعين المكان، “إحنا نسينا من فضلكم انسووا، وخليّنا نبتدوا صفحة جديدة”، وأنت هلاّ معنا وبينا، وقالوا ”الله لا يسامح إلليّ كان السبب”، في هذه الفتنة، ويرغب جميع المصريين في نسيان ما حدث.
- وعندما تقف بميدان التحرير، تحتار في أمر الشباب الذين رفضوا مغادرة هذه الساحة الكبرى، حتى عندما هاجت عليهم المصالح الأمني لحسني مبارك وشرطة حبيب العادلي، بالأسلحة والجمال، في حادثة ما أصبح يطلق عليها باسم “موقعة الجمل”، ويروي لنا شهود عيان، وناجون من الحادثة، أنه كان يوم رعب حقيقي، عندما اجتاحت آلاف الجمال الميدان من ناحية اليمين، وقامت بمحاصرة المتظاهرين من كل حدب وصوب، مخلفة عشرات الجرحى والقتلى، من دون رحمة أو شفقة، وكأنّ الأمر يتعلق بالهجوم على معسكر لليهود، في قلب القاهرة.
- الثورة لحد نآلا فاشلة ولم تحقق بعد أهدافها.. ومصر في فوضى عارمة؟
- يعترف الكثير من المتواجدين بميدان التحرير، بقلب العاصمة المصرية القاهرة، بأن الثورة المصرية فاشلة لحد الساعة، ولم تحقق إلا هدفا واحدا من أهدافها، وهو إسقاط الرئيس حسني مبارك، أما الأهداف الحقيقية التي تأتي بعد رحيل الديكتاتور مبارك، “فلساّ” الطريق طويل يقول الكثير منهم، مادام المجلس الأعلى العسكري، يسيطر على زمام الأمور، ويتخذ قرارات عشوائية وغير إستراتيجية، وتعتبر في أغلب الحالات، استكمالا لبرنامج الرئيس المخلوع، وتنفيذا لأوامر وأجندة أمريكية وليس لمطالب الشعب المصري، ومادامت حكومة عصام شرف، وجودها من عدمها سيّان، كما يقول ثوار ميدان التحرّير، إذ ليس من صلاحياتها أي قرار وعصمة الحل والربط واتخاذ القرارات بيد اللواء المشير طنطاوي، القائد الأعلى للمجلس العسكري، لذا يطالب أهل ميدان التحرير بالرحيل الفوري للمجلس العسكري ومحاكمة أعضائه، معتبرينهم من أزلام نظام الريّس مبارك، كما أنّ مصر ليس من السهل أن تخرج، من عمق أزمتها الحالية، بسبب تضارب المصالح واتساع رقعة التجاذبات المذهبية والطائفية والسياسية، وتزايد حجم ورقم الحركات الشبانيّة ورغبة كل كطرف في هذه المعادلة في ركوب الموجة لتحقيق أغراض شخصية وسياسيّة ومذهبية أيضا، ووسط ميولات غير متوازنة، على الرغم من أنّ السواد الأعظم من المصريين، يتفقون على أن رحيل مبارك كان انتصارا جماعيا، لسلسلة الاعتصامات والمظاهرات اليومية وللصمود والتحدي الذي شكلّوه في ميدان التحرّير وميادين أخرى، إلا أنّ هذه اللحمة وهذا التماسك، سرعان ما بدأ يذوب وينهار، على خلفية مطالب شخصيّة ومصالح سياسية ضيّقة للغاية، ولم يتردّد البعض في إبداء تخوفاتهم من المصير الغامض والمخيف من الوضع الرّاهن بمصر، الذي يبعث على القلق، سيّما أمام تراجع الاقتصاد المصري، وانهيار المنظمة السياحية، وتزايد معدل الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية وذات الاستهلاك الواسع إلى ثلاثةأضعافها تقريبا، وبالرغم من أن بعضهم يبدون أملا في تحقيق الأهداف المنشودة للثورة، إلا أنهم يتفقون على أن الطريق مازال طويلا وطويلا جدا.