اقتصاد
"الشروق" في جولة بمتحف الحزب الشيوعي بالعاصمة بكين:

“هونغتشي” أول سيارة صينية فاخرة… قصة تستوقف الجزائر!

مبعوثة "الشروق": إيمان كيموش
  • 1038
  • 0
ح.م

استعراض طائرات وقطارات ومشروع نقل المياه من الجنوب إلى الشمال وإنجازات صناعية وتكنولوجية
صحفيّون في رحلة محاكاة إلى الفضاء والقمر… التكنولوجيا تدخل على خط توثيق تاريخ الصين

حين تقف أمام قصة الصين، يصعب أن ترى فيما وصلت إليه اليوم مجرد نجاح اقتصادي عابر، فهذه الدولة التي بدأت من واقع مثقل بالأزمات والتحديات اختارت أن تبني قوتها خطوة بعد أخرى، حتى تحولت إلى ثاني أكبر القوى الاقتصادية وإحدى أهم القوى الصناعية في العالم، لكن إذا كانت الصين قد بنت مكانتها بين الكبار بالإرادة والعمل وتراكم الإنجازات، فذلك ممكن أيضا للجزائر بما تملكه من إمكانات، لتخوض هي الأخرى طريقها نحو القمة.
وصلنا إلى المتحف الواقع بطريق بييتشن الشرقي في العاصمة الصينية بكين، في حدود الساعة التاسعة والنصف صباحا، رفقة وفد من الإعلاميين المشاركين في برنامج التبادل والتدريب الصحفي الدولي، وسط أجواء هادئة ومنظمة تعكس منذ اللحظة الأولى طبيعة المكان الذي يحتضن واحدة من أكبر التجارب السياسية والاقتصادية في العالم المعاصر، وكانت موسيقى ونشيد الحزب الشيوعي تملأ المكان، كما لم تكن الزيارة مجرد جولة عادية بين قاعات ومقتنيات تاريخية، فقد استمعنا إلى شرح مفصل قدم لنا باللغة العربية حول المتحف ومضامينه، قبل أن نبدأ في اكتشاف مختلف أجنحته وقاعاته التي توثق مراحل أساسية من مسيرة الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية.
وقالت المتحدثة بالمتحف إن هذا الصرح افتتح رسميا في 18 جوان 2021، بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ويضم عرضا واسعا لمسيرته منذ تأسيسه سنة 1921 وصولا إلى الصين الحديثة، من خلال آلاف الصور والوثائق والقطع التاريخية والنماذج التي تحاول تقديم صورة متكاملة عن التحولات التي عرفتها البلاد.

من البدايات الصعبة إلى بناء دولة حديثة
ويضم المبنى الرئيسي للمتحف عشرة طوابق، سبعة منها فوق الأرض وثلاثة تحتها، وداخل القاعات الأولى، يأخذ المسار الزائر إلى بدايات القرن العشرين، حين كانت الصين تعيش مرحلة مضطربة تحت ضغط التدخلات الأجنبية والأزمات الداخلية، قبل أن تصل الأحداث إلى ثورة شينهاي سنة 1911 التي أنهت الحكم الإمبراطوري، ثم حركة الرابع من ماي سنة 1919 التي ساهمت في انتشار أفكار جديدة، من بينها الماركسية، وصولا إلى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني سنة 1921. وتروي المعروضات قصة المؤتمر التأسيسي للحزب، الذي بدأ في شنغهاي قبل أن يُستكمل على متن قارب في بحيرة نانهو بمدينة جياشينغ، بعيدا عن أعين السلطات الأجنبية، وهي محطة أصبحت جزءا من الذاكرة السياسية للحزب، لكن اللافت في طريقة العرض أن المتحف لا يكتفي بعرض التواريخ والأسماء، بل يحاول جعل الزائر يرى الظروف التي رافقت تلك المرحلة، عبر منحنا صورا قديمة، ووثائق، وخرائط، ومقتنيات شخصية ومشاهد مجسمة تنقل جزءا من أجواء الحروب والتحولات السياسية التي عرفتها الصين، ثم تنتقل تدريجيا إلى مرحلة تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949.
وقد استوقفني بشكل خاص الأسلوب الذي جرى به الانتقال من هذه المرحلة التاريخية إلى مراحل بناء الدولة، فبدل أن يبقى العرض حبيس الأحداث السياسية، يبدأ التركيز على ما قامت عليه الصين لاحقا من مشاريع وبنى تحتية وصناعة وتعليم وعلوم وتكنولوجيا، وكأن الرسالة الأساسية للمعرض هي أن التحول لم يكن حدثا واحدا، وإنما مسارا طويلا من التراكم، ويحمل المعرض الرئيسي شعار “عدم نسيان الغاية الأصلية وتذكر الرسالة”، وينقسم إلى أربع مراحل كبرى تلخص مسيرة الحزب والدولة، من مرحلة تأسيس الجمهورية، إلى بناء النظام الاشتراكي، ثم الإصلاح والانفتاح، وصولا إلى ما تسميه الصين “العصر الجديد”.

“هونغتشي”… سيارة تحولت إلى رمز
ولعل أكثر ما لفت انتباهي خلال الجولة تلك السيارة الحمراء التي تحتل مكانا بارزا بين المعروضات، وهي سيارة “هونغتشي”، أو “العلم الأحمر”، إحدى أشهر العلامات المرتبطة بتاريخ صناعة السيارات الصينية والمراسيم الرسمية في البلاد، وكانت نماذج أخرى سوداء أيضا، أمام السيارة، تتغير طبيعة الشرح قليلا، فهنا لا نتحدث فقط عن وسيلة نقل، وإنما عن قصة صناعة أرادت الصين من خلالها أن تثبت قدرتها على إنتاج سيارة فاخرة محليا، في وقت كانت فيه السيارات الأجنبية تمثل بالنسبة إليها رمزا للتفوق الصناعي والتكنولوجي، وتعود قصة أول سيارة هونغتشي إلى سنة 1958، عندما شرعت مجموعة الصناعيين والمهندسين الصينيين في تطوير سيارة فاخرة اعتمادا على قدراتهم المحلية، بعد زيارة ماو تسي تونغ لمصنع السيارات في تشانغتشون سنة 1958 وطرحه سؤالا حول موعد تمكن الصين من ركوب سيارة من صناعتها.
وتشير الرواية المعروضة حول التجربة إلى أن المهندسين والعمال الصينيين صمموا مختلف الأجزاء والرسومات بأنفسهم، وبعد عمل مكثف استمر 33 يوما، ظهر النموذج الأول لهونغتشي في الأول من أغسطس 1958، ثم خضع لتجارب وتعديلات متعددة قبل أن يستقر التصميم ويدخل الإنتاج، ولم تتوقف قصة السيارة عند حدود المصنع، فقد تحولت “هونغتشي” تدريجيا إلى سيارة مرتبطة بالمناسبات الرسمية والاستعراضات الوطنية، وظهرت في احتفالات العيد الوطني وفي مراسيم تفقد القوات، وفي استعراض الذكرى السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 2019، استخدم الرئيس الصيني شي جين بينغ سيارة هونغتشي خلال تفقد القوات في ساحة تيانانمن.
وأمام السيارة الحمراء، بدا واضحا كيف يمكن لقطعة صناعية واحدة أن تختصر جانبا من التحول الصيني، من مرحلة كان فيها تصنيع سيارة محلية فاخرة تحديا كبيرا، إلى بلد أصبح اليوم أحد أكبر مراكز صناعة السيارات في العالم، مع انتقال سريع أيضا نحو السيارات الكهربائية والتكنولوجيات الجديدة. فالصين اليوم هي أكبر قاعدة لإنتاج السيارات في العالم، مع حضور متزايد لعلاماتها في الأسواق الدولية، ولاسيما في مجال السيارات الكهربائية، مع حضور مركباتها من مختلف الأصناف بشكل كبير جدا في السوق الجزائرية.

من تراب القمر إلى التكنولوجيا… الصين تعرض إنجازاتها
كلما تقدمنا داخل المتحف، تراجع حضور الأحداث السياسية المباشرة لصالح نماذج ومشاهد مرتبطة بالعلوم والصناعة والمشاريع الوطنية الكبرى، ولفت انتباهي بشكل خاص القسم المخصص للفضاء، حيث يعرض المتحف نموذجا لمركبة “تشانغ آهـ-5” إلى جانب عينات من تراب القمر، في مشهد يجذب الزائر حتى وإن لم يكن متخصصا في علوم الفضاء، وتعود هذه العينات إلى مهمة “تشانغ آهـ-5” التي تمكنت في ديسمبر 2020 من إعادة عينات من سطح القمر إلى الأرض، في إنجاز وضع الصين ضمن الدول القليلة التي تمكنت من تنفيذ مثل هذه المهمة، وبالقرب منها، تظهر نماذج ومقتنيات مرتبطة ببرنامج الفضاء الصيني، إلى جانب عرض لمشاريع علمية وتكنولوجية أخرى، بما يعكس التحول الكبير الذي تريد الصين أن تقدمه عن نفسها، وهي دولة لم تعد تكتفي بتصنيع المنتجات، وإنما تستثمر في البحث العلمي والتكنولوجيا والمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي.
كما مررنا أمام نماذج مرتبطة بالطيران والنقل، من بينها الطائرة المدنية “سي 919″، ومشاهد مرتبطة بقطار “فوشينغ” فائق السرعة، إضافة إلى نماذج لمشاريع علمية وتكنولوجية أخرى، وفي أحد أجزاء المعرض، تعرض مشاريع البنية التحتية والطاقة والمياه باعتبارها جزءا من مسار التنمية الذي عرفته البلاد خلال العقود الماضية، ومن بين المشاريع التي تستوقف الزائر مشروع نقل المياه من الجنوب إلى الشمال، وهو مشروع ضخم يهدف إلى تحويل جزء من الموارد المائية من المناطق الأكثر وفرة بالمياه جنوبا إلى المناطق الشمالية التي تعاني ضغطا أكبر على هذا المورد، وتعرض القاعات أيضا مشاريع كبرى مثل سدود ومنشآت مائية وبنى تحتية، في محاولة لإظهار حجم الاستثمار الذي رافق التحول الاقتصادي.
أما المشاهد التفاعلية، فكانت بدورها لافتة، فقد جرى توظيف تقنيات العرض الحديثة لإعادة تشكيل بعض الأحداث التاريخية، بحيث لا يكتفي الزائر بمشاهدة صورة ثابتة، وإنما يجد نفسه أمام مشهد بصري يحاكي المكان والحدث، بما في ذلك مشاهد مرتبطة بالمسيرة الطويلة والحرب والظروف التي عاشتها تلك المرحلة، حتى أننا تنقلنا في رحلة إلى الفضاء والقمر تحديدا بالمحاكاة لاكتشاف ما قامت به الصين من إنجازات هناك.
غادرنا المتحف بعد ساعتين ونصف من التجوال، ونحن نكتشف كيف تمكنت الصين، بعد عقود من الفقر والحروب والتحديات، من بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جعلتها اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وربما لا يكمن السر في وصفة سحرية، بقدر ما يكمن في وضوح الرؤية، والصبر على البناء، والاستثمار المتواصل في الإنسان والإنتاج والقدرات المحلية، وهو ما أكده عدد من الأساتذة والخبراء الذين إلتقيناهم بجامعة رينمين.
وبينما نحن نغادر المكان، حضرت الجزائر في أذهاننا بقوة، بلد يملك بدوره كل المقومات التي تسمح له بأن يصنع انتقاله الاقتصادي، من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي إلى طاقات بشرية شابة وإرادة واضحة لتنويع الاقتصاد ودعم الإنتاج الوطني وفتح آفاق جديدة للاستثمار، وهو ما دفع به رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال السنوات الأخيرة عبر مشروع حقيقي لبناء مرحلة اقتصادية جديدة، قد تحتاج إلى الوقت والصبر والعمل المتراكم، لكنها قادرة على أن تصنع قصة نجاحها الخاصة، وفق إمكاناتها وخصوصياتها، تماما كما اختارت الصين أن تشق طريقها الخاص.

الصين لا تعتبر نفسها وصلت… وطموح يتجاوز حجم الاقتصاد
ورغم كل ما شاهدناه من إنجازات جعلت الصين حاضرة بقوة في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة العالمية، فإن الأساتذة والخبراء الذين التقيناهم منذ وصولنا إلى الصين، وخلال فترة تدريبنا ضمن برنامج مركز الصين الدولي للتواصل الصحفي “سي أي بي سي سي” كانوا حريصين على التأكيد بأن الطريق لم ينته، وأن حجم الاقتصاد وحده لا يكفي للحكم على مستوى التنمية، فالصين، التي ما تزال تصنف نفسها دولة نامية، تتحدث اليوم عن تحديات مختلفة عن تلك التي واجهتها في بدايات مسيرتها، وفي مقدمتها رفع دخل الفرد، وتحسين إنتاجية العمل، وزيادة مردود كل إنسان، وضمان أن تصل ثمار النمو إلى مناطق وفئات أوسع من المجتمع.
وهذه النظرة تبدو مرتبطة أيضا باتساع البلد وتنوع مناطقه، فالصين تمتد على مساحة تقارب 9.6 ملايين كيلومتر مربع، ويعيش فيها أكثر من 1.4 مليار نسمة، وهو ما يجعل تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف الأقاليم والمدن والمناطق الريفية تحديا قائما بذاته، ولذلك لا تتحدث الخطط الصينية الجديدة عن نمو الناتج فقط، وإنما عن تحسين نوعية النمو، ورفع مستوى معيشة السكان، وتوسيع الطبقة متوسطة الدخل، وتقليص الفوارق التنموية، بالتوازي مع مواصلة الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي والصناعات الحديثة.
وفي حديثهم عن المستقبل، كان واضحا أن الصين لا تريد الاكتفاء بالموقع الذي بلغته في الاقتصاد العالمي، بل تراهن على الانتقال إلى مستويات أعلى من الإنتاجية والابتكار، وعلى أن يصبح التطور التكنولوجي أكثر ارتباطا بالصناعة والخدمات وحياة الناس اليومية، كما تضع خططها أهدافا بعيدة المدى لتحسين دخل الفرد والوصول بحلول سنة 2035 إلى مستوى دخل يقترب من مستوى الدول متوسطة التطور.
وهنا ربما تكمن إحدى أكثر النقاط التي تستوقف الزائر الجزائري، البلد الذي نراه اليوم قوة صناعية وتكنولوجية لا يزال يتحدث عن ضرورة العمل أكثر، والإنتاج أكثر، وتحسين كفاءة الإنسان، وعدم ترك أي منطقة خارج مسار التنمية، وكأن التجربة الصينية تقول إن الوصول إلى نادي الكبار ليس محطة نهائية، بل مسؤولية تفرض مواصلة البناء كلما ارتفع سقف الطموح.

مقالات ذات صلة