هي ربيع الوجود؟!
هي إلياذة التضحيات، ورحلة عطاء لا يتعب، وحب لا يشيخ، إذ لا تكاد تجد نتاجا أدبيا أو فكريا خلا من ذكرها، ولا ورشة فنان عدمت من برواز يضم بين أضلعه أما تحنو على صغيرها. اختير لها مولد الربيع عيدا لأنها ربيع الوجود، فهي النسيم إذا هب بلطفه وسلامه، و الزّهر إذا تفتق من أكمامه.
في عيدها تحتفي بها صفحات الدفاتر، و تصدح بها الحناجر، وجواهر الشروق تكرمها بمقتطفات من أجمل الخواطر:
ـ “أحن إلى خبز أمي.. وقهوة أمي.. ولمسة أمي.. وتكبُر في الطفولة يوما على صدر يوم وأعشق عمري لأني إذا مت، أخجل من دمع أمي” – محمود درويش
ـ “عرفت نساء أوروبا.. عرفت عواطف الإسمنت والخشب.. عرفت حضارة التعب.. وطفت الهند، طفت السند، طفت العالم الأصفر ولم أعثر.. على امرأة تمشط شعري الأشقر وتحمل في حقيبتها.. إلى عرائس السكر وتكسوني إذا أعرى وتنشلني إذا أعثر.. أيا أمي أنا الولد الذي أبحر” – نزار قباني
ـ “يبدو أمامي وجه أمي كلما اشتدت رياح الحزن وارتعد الجبين ” – فاروق جويدة
ـ ويقول الدكتور عائض القرني في خاطرة رائعة عن أمه:
“أكبر وأنا عند أمي صغير، وأشيب وأنا لديها طفل، هي الوحيدة التي نزفت من أجلي دموعها ولبنها ودمها، نسيني الناس إلا أمي، عقَّني الكل إلا أمي، تغيَّر عليَّ العالم إلا أمي، الله يا أمي: كم غسلتِ خدودكِ بالدموع حينما سافرتُ! وكم عفتِ المنام يوم غبتُ! وكم ودَّعتِ الرُّقاد يوم مرضتُ! الله يا أمي: إذا جئتُ من السفر وقفتِ بالباب تنظرين والعيون تدمع فرحاً، وإذا خرجتُ من البيت وقفتِ تودعينني بقلب يقطر أسى، الله يا أمي: حملتِـني بين الضلوع أيام الآلام والأوجاع، ووضعتِـني مع آهاتك وزفراتك، وضممتِـني بقبلاتك وبسماتك، الله يا أمي: لا تنامين أبداً حتى يزور النوم جفني، ولا ترتاحين أبداً حتى يحل السرور علي، إذا ابتسمتُ ضحكتِ ولا تدرين ما السبب، وإذا تكدّرتُ بكيتِ ولا تعلمين ما الخبر، تعذرينني قبل أن أخطئ، وتعفين عني قبل أن أتوب، وتسامحينني قبل أن أعتذر، الله يا أمي ! من مدحني صدقتِه ولو جعلني إمام الأنام وبدر التمام، ومن ذمني كذبتِه ولو شهد له العدول وزكَّاه الثقات”