… والظّلم دركاتٌ!
تتوالى الأحداث في السّنوات الأخيرة، وتتعاقب تعاقبا عجيبا، طاشت معه عقول كثير ممّن طغت عليهم النّظرة الماديّة وظنّوا أنّ العالم يتّجه نحو فوضًى لا نهاية لها، وحروب لا تخمد نارها، ومنهم من ظنّ أنّ أحداث العالم تسير وفقَ ما تخطّط له القوى الكبرى، بل في الاتّجاه الذي تحرّكها إليه “الماسونية العالميّة”، ونسوا أنّ الأمر كلّه بيد الله، وأنّه –جلّ وعلا- يمتحن النّاس بعضهم ببعض، ((وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض))، ويملي للظّالمين حتى إذا أخذهم لم يُفلتهم، وأنّه يغرس في هذه الأمّة غرسا يستخدمهم في طاعته ونصرة دينه، ويبطل على أيديهم كيد الكائدين ومكر الماكرين، ((وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ)) (النّمل).
لقد مرّت بالبشرية فترات من الظّلم والظّلمات أحلك من التي تعيشها في هذه السّنوات، لكنّها لم تلبث أن انقشعت ونال الظّالمون المعاندون جزاءهم؛ أين عادٌ وثمود ((الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَاد))؟ ((فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد)). أين فرعونُ الذي قال: ((أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى))؟ ((فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالْأُولَى)). أين قارون الذي ملك ((مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة))؟ ((فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِين)). أين النّمرود الذي ادّعى الرّبوبية وقال: أنا أحيي وأميت، واستعبد قومه وجعلهم يقبّلون نعليه؟ أرسل الله جنديا من أضعف جنوده ليذلّه ويرغم أنفه؛ بعث الله بعوضة فدخلت من منخره واستقرّت في رأسه، وكانت لا تهدأ حتى يضرب بالنّعال على رأسه. كان يأمر النّاس بتقبيل نعليه، ثمّ صار يأمرهم أن يضربوه بالنّعال على رأسه، وظلّ على هذه الحال حتى هلك بسبب كثرة الضّرب على رأسه.
أين أبو جهل الذي تفنّن في تعذيب عباد الله المسلمين، وحارب رسول ربّ العالمين؟ كانت نهايته أن وُطئ رأسه بأقدام عباد الله المؤمنين. أين الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ الذي طغى وبغى وأسال من دماء المسلمين ما أسال، وسجن منهم من سجن؟ كان ممّن سجن رجلٌ حبسه ظلما فكتب إليه رقعة جاء فيها: “قد مضى من بؤسنا أيام، ومن نعيمك أيام، والموعد القيامة، والسّجن جهنّم، والحاكم لا يحتاج إلى بيّنة”.. قتل الحجّاج من العلماء من قتل، حتّى إذا جاء ذلك اليوم الذي أراد فيه قتل الإمام سعيد بن جبير أحد أئمّة التّابعين عليه رحمة الله، دعاه وهدّده وتوعّده فما ازداد إلاّ ثباتا على إنكاره لما فعله الحجّاج بالمسلمين، فما كان من الحجّاج إلاّ أن أمر بقتله، فطلب إليه أن يمهله حتى يصلّي ركعتين فأمهله، فصلّى ثمّ دعا الله قائلا: ” اللهمّ لا تسلّطه على أحد بعدي “، فما لبث الحجّاج بعد قتله إلاّ خمس عشرة ليلة ومات، وكان في تلك اللّيالي التي عاشها بعده يفزع في كلّ لحظة وينادي: “مالي ولسعيد بن جبير؟ كلّما أردت أن أنام أخذ برجلي”، امتلأت أيامه ولياليه هلعا ورعبا كما ملأ حياة المسلمين خوفا وذعرا، ومات وهو يتلمّظ ويتلوّى.
في زمنٍ غير بعيد عن زمن الحجّاج؛ في زمنِ المأمون العبّاسيّ الذي امتحن المسلمين على القول بخلق القرآن، ثبت الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله ثبات الجبال الرّاسيات، فسجن وعذّب وجلد حتى انخلعت كتفه، وكان ممّن سعى في محنته وألّب عليه المأمونَ العبّاسيّ أحدُ العلماء الذين كانوا يقتاتون بعلمهم على موائد الأمراء، وكان يُدعى ابنَ أبي دؤاد؛ حاول هذا الرّجل إهانة الإمام أحمد، ووشى به إلى السّلطان، فما كان من الإمام أحمد إلا أن رفع يديه إلى من ينصر المظلوم وقال: “اللهمّ إنه ظلمني ومالي من ناصرٍ إلا أنت، اللهم أحبسهُ في جلده وعذِّبه”.. فما ماتَ هذا الرّجل حتى أصابه الفالج، فيبس نصف جسده وبقي النّصف الآخر حيّا. دخلوا عليه في أواخر أيامه وهو يخورُ كما يخور الثور ويقول: “أصابتني دعوةُ الإمامِ أحمد، مالي وللإمامِ أحمد، مالي وللإمامِ أحمد”. ثم يقول: “واللهِ لو وقعَ ذبابٌ على نصفِ جسدي لكأنّ جبال الدنيا وضعت عليه، أمّا النصف الآخر فلو قرّضَ بالمقاريض ما أحسستُ به”.. ((وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)).
دركات الظّلم
الظلم وإن كان كله ظلمات، إلاّ أنّه دركات بعضها دون بعض، وأعظمه ما كان في حقّ الله العزيز الحميد ذي البطش الشّديد الفعّال لما يريد.. الذي يخلق عبده من شيء مهين حقير مستقذر ويحفظه في سمعه وبصره وفي سائر بدنه ويرزقه من حيث لا يحتسب، ثمّ إذا به في لحظة من اللّحظات ينسى نعمة الله عليه ويتحوّل إلى خصيم مبين لربّه يحادّه ويعلن التمرّد على دينه والحرب على شرعه، أو يجعل لله ندا من إمام أو وليّ أو صالح يدعوه ويرجوه مع الله أو من دون الله، أو يجعل لله ندا يخافه ويخشاه ((كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة))، أو يبارز الله بالكبائر والمعاصي والذّنوب ويتباهى بها أمام النّاس، أو يستنكف عن فرائض الله ويتهاون في حقّ جلّ في علاه؛ فيخالف وجهة هذا الكون الفسيح المتّجه بكلّ ما فيه إلى خالقه ((وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم)) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه)).. يصبح هذا العبد خصيما لربّه، فيمهله ربّه ويؤخّره، حتّى إذا بلغ في طغيانه مداه، جاءه الوعد الحقّ فإذا هو خبر من الأخبار.
ومن أشنع أنواع الظّلم، ظلم الحاكم لرعيته، واستئثاره بالأموال دونها، ومحاباته لأقاربه وخلانه وحاشيته، وتمكينهم من الأموال والدّماء والأعراض يعبثون بها ويعربدون في شرق الأرض وغربها، يشيعون الفواحش ويذلّلون سبل المنكرات، ويضيّقون طرق الطّاعات والقربات.. يملي الله لهم حتى إذا نسوا الموت والحساب وأسكرتهم الغفلة، أتاهم الله من حيث لا يحتسبون، وجعلهم آية لمن يتّعظ وعبرة لمن يعتبر.
ومن أشنع أنواع الظّلم التي بليت بها أمّة الإسلام في هذا الزّمان، ظلم الوالدين وعقوقهما، حتى أصبح لا يكاد يخلو بيت من بيوت المسلمين -إلا ما رحم الله- من أب يتأوّه ويشكو حاله إلى الله، أو أمّ تذرف الدّموع وترفع أكفّ الضّراعة إلى الله، تشكو ظلم زوجة ابنها ولربّما ظلمَ ابنها أيضا. وهذا الظّلم قد تعهّد المنتقم سبحانه بأن يعجّل لصاحبه العقوبة في الدّنيا مع ما ينتظره في الآخرة؛ كم من عاقّ أسبل دمعات والديه، فأسكب الله ماء الحياء من وجهه وختم على قلبه ثمّ سلّط عليه من أذلّه وأهانه من ذريته أو من أقرب وأحبّ النّاس إلى قلبه، والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربّك أحدا.
ومن أنواع الظّلم أيضا، ظلم بعض الآباء لأبنائهم، وغفلتهم عن تربيتهم وعن تلمّس همومهم ومشاكلهم، حتى أصبحنا نسمع بآباء يطردون أبناءهم إلى الشّوارع لأنّهم لم يوفّقوا في إيجاد عمل يسترزقون منه.
وظلم الجيران وما أدراك ما ظلم الجيران، هذا الدّاء الدويّ الذي استهان به كثير من المسلمين في هذا الزّمان، حتى سرت القطيعة بين الجار وجاره لأجل حطام زائل من دنيا الهوان، لأجل متر أو مترين من الأرض، أو لأجل خصام عابر بين الأبناء، أو لأجل خلاف تافه بين الزّوجات. في الأثر أن الله عزّ وجل يقول يوم القيامة: “وعزّتي وجلاليِ لا تنصرفون اليوم ولأحدٍ عندَ أحدٍ مظلمةٌ، وعزّتي وجلاليِ لا يجاورَ هذا الجسرَ اليومَ ظالم”.
فإياي وإياك أخي المؤمن والظّلم، فإنّ الله -جلّ وعلا- حرّمه على نفسه وجعله بين عباده محرّما، وأهلك بسببه أمما بأسرها، ((وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً)).