الجزائر
نقل أكثر من مليون مجند بالقوة لمواجهة جيش التحرير الوطني

وثائقي فرنسي يستحضر فئة منسية من “حرب الجزائر”

محمد مسلم
  • 2928
  • 0
أرشيف

استعرض وثائقي فرنسي حول “حرب الجزائر”، كما تسميها الأدبيات الفرنسية، والثورة التحريرية وفق المصطلح الجزائري، ما سمي معاناة “المجندين في حرب الجزائر”، وهي الفئة التي أجبرت على الحرب، بينما كانت تؤدي الخدمة الوطنية، والتي لا تزال تبحث عن هويتها في الذاكرة الفرنسية.
الوثائقي بث عبر خدمة “فيغارو لايف”، وقد تعرض إلى فئة المجندين الفرنسيين في جيش الاحتلال الذين نقلوا بالقوة إلى الجزائر في الفترة الممتدة بين عامي 1954 و1962، لمواجهة جيش التحرير الوطني، والذي قدر عددهم حسب الوثائقي، بأكثر من مليون مجند، ونقل العديد من شهاداتهم الوحشية على ما عاشوه خلال أزيد من سنتين من عملهم كمجندين.
بني هذا العمل التذكاري على مجموعة من الأسئلة تمت الإجابة عليها من قبل شخصيات عايشوا الحدث (الجريمة بكل وحشية) في الجزائر، فيما كان الهدف هو إظهار ما عانته هذه الفئة المنسية من الفرنسيين خلال “حرب الجزائر”، والتذكير بما اعتبر “ذهاب جيل كامل إلى مزبلة التاريخ”.
كما تساءل الوثائقي عن سبب السكوت عن ذكرى هذه الفئة من جيش الاحتلال في حرب الجزائر لعقود من الزمن، أي منذ استقلال الجزائر ونهاية الحرب في العام 1962 وحتى اليوم، ثم كيف أصبحت كلماتهم مع مرور السنين حرة، مما جعلهم ممثلين جزءا لا يتجزأ من المأساة الجزائرية، كما سميت. كما توقف الوثائقي عن الصمت الممنهج بشأن “حرب الجزائر”، التي تبقى في منظور الفرنسيين، “آخر صدمة عظيمة” لهم.
ويعترف معد هذا الوثائقي المطول، بأن “حرب الجزائر وضعت حدا للأحلام الاستعمارية لفرنسا”، التي كانت تهيمن على العديد من الدول الإفريقية والعربية وفي أكثر من قارة، مثلما خلفت أمراضا مستعصية لمن عاشوها، تمثلت في التحولات التي طرأت على سلوكاتهم بعد الحرب وطالت حتى ذويهم وزوجاتهم وأثرت على حياتهم اليومية.
تقول إحدى زوجات المجندين إن زوجها كان ينام والسكين تحت رأسه ثم يستيقظ مهلوعا، أما البعض الآخر من المجندين فكانوا يرفضون الحديث تماما عن عملهم في الجزائر أثناء الحرب التحريرية، ولكن أيضا كانت هناك شهادات عن التعذيب الوحشي للجزائريين حتى وهم جرحى وبحاجة إلى العناية الصحية الفائقة.
وفي شهادة لأحدهم وهو يقيم مشاركته في الحرب بالجزائر: “أنا لا أعرف أبطالا فرنسيين في حرب الجزائر”، في إشارة إلى أن ما قام به جيش الاحتلال في الجزائر في الفترة التي امتدت ما بين 1954 و1962، ليس فيه شيء من قيم الحروب، التي يفترض أن تكون لها قيم وقوانين يتعين احترامها.
ومع ذلك فهناك من نقل الوثائقي شهاداتهم كانوا ذوي أخلاق وانتقدوا وضع الجزائريين في ذلك الوقت، من تفقير وتهجير وتجهيل ممنهج، بسبب الممارسات الوحشية لجيش الاحتلال. يقول أحدهم وكان والده ممن شاركوا في حرب التحرير الفرنسية ضد النازية، إنه أوصى ابنه الذي عمل في جيش الاحتلال بالجزائر بأن يحافظ على نظافة يديه في الحرب، لكن ابنه اعترف بأن من يشارك في الحرب لا يمكن أن تبقى يداه نظيفتين.
ويشير الوثائقي إلى أن هذه الفئة التي عملت ضمن الجيش الفرنسي خلال الثورة التحريرية، كانت منسية تماما في قوانين ومدونة الجيش وقدماء المحاربين، على اعتبار أن عناصرها لم يكونوا من المتعاقدين مع الجيش أو يعملون ضمن صيغة من الصيغ المعروفة، وذلك رغم أن الكثير منهم مات في ظروف صعبة ومؤلمة، رغم مطالباتهم المتكررة بالحقوق ونظام خاص للاعتراف بتضحياتهم.
ووفق المصدر ذاته، فإن المجندين الفرنسيين في “حرب الجزائر” لم يحصلوا على توصيف خاص بهم، سوى في سنة 1974 عندما تم سن قانون أعطاهم صفة “محارب”، غير أن السلطات الفرنسية لم تكن في ذلك الوقت تعترف بأن ما حدث في الجزائر ما بين 1954 و1962 بأنها “حرب”، وكان الانتظار حتى عام 1999 عندما جاء الاعتراف بـ”حرب الجزائر” كما يسميها الفرنسيون، بعد تصويت في البرلمان الفرنسي، وهو اعتراف جاء جد متأخر، يقول الوثائقي.
وتصف زوجة أحد المجندين الوضع فتقول إن الجثث كانت تعود في سرية تامة. الجرحى بعشرات الآلاف، فيما اعترف أحدهم بأن العسكر لم يكن مدرسة جيدة. كان التعذيب ممنهجا، يقول قائد سيارة جيب كان ينقل الجرحى وقال إنهم يتعرضون للتعذيب رغم أنهم مصابون. ويقول آخر: “السكوت عن حرب الجزائر يعتبر خيانة.. الجميع خان بمن فيهم الجنرال دي غول والأقدام السوداء..”.

مقالات ذات صلة