"الشروق" تعثر على نسخة نادرة من 150 موزعة عبر العالم
وثيقة فرنسية عمرها أكثر من 60 عاما ترجع استسلام الأمير عبد القادر إلى تخلي الرعية عن المشاركة في القتال
كتاب "التاريخ الرائع للجيش الفرنسي"
عثرت الشروق على نسخة نادرة من كتاب عمره أكثر من ستين سنة وهو وثيقة عسكرية رسمية لا توجد إلا في المتاحف الفرنسية أو بعض الهيئات الحكومية
-
المثير في هذه الوثيقة ان هذا المرجع العسكري الذي حمل عنوان “التاريخ الرائع للجيش الفرنسي” وعمل على تأليفه عسكريون فرنسيون، يقر بأن فرنسا لم تكن لتحكم قبضتها على الجزائر إلا بعد توقف الأمير عبد القادر عن القتال بسبب تخلي الرعية عنه.
-
-
حاول مجموعة من عسكريي ما كان يعرف بفرنسا في سنوات الأربعينيات بالوزارة الحربية بمعية الناشر “راوول اوجار”، تمجيد تاريخ الجيش الفرنسي وتعظيم تواجده بين مستعمرات افريقية، من خلال تجميع معلومات منطلقها الإشادة بما أسموه بـ “التاريخ الرائع للجيش الفرنسي“، أين ذهبوا بذاتية مفرطة لها علاقة مصالحهم واستراتيجيتهم العسكرية ينتقصون من قيمة تاريخ مستعمراتهم، لا سيما الجزائر، ولكنهم لم ينجحوا رغم محاولتهم في اتهامه بالاستسلام، إخفاء حقيقة ان الأمير عبد القادر كان مثار خوفهم بسبب مقاومته الشديدة لهم.
-
وتحت عنوان كبير دون باللون الأحمر وسمي بـ “غزو الجزائر” ذهب المرجع العسكري -الذي لم يطبع منه في العام 1947 سوى 150 نسخة فقط، مثلما أكده الناشر في مقدمة الكتاب- إلى التفصيل في حيثيات غزو فرنسا للجزائر، وتوقفها في الـ 13 جوان من العام 1830 عندما وصفه بـ “شبه جزيرة سيدي فرج” بجيش تمثل في 36.000 جنديا مرفق بـ 80 مدفعية نقلت عبر 500 باخرة تجارية.
-
ليعرج الكتاب الفرنسي الذي ألف في حقبة كولونيالية إلى وصف ملامح المقاومة الجزائرية -وفق تصور بعض من العسكريين الفرنسيين- حيث ذكروا انها تمثلت في 40.000 رجلا كانوا في انتظارهم عند محاولتهم غزو الجزائر، تجمعوا فوق مرتفعات “سطاوالي” ليهاجموا -حسب ذات المرجع- الخطوط الفرنسية في فجر الـ 19 من جوان من ذات العام، ممتطين –على حد الوصف المنتقص من قيمة الجزائريين– “أحصنة صغيرة مجنونة” ومطلقين صيحات “وحشية“.
-
وبعد تفصيل لخطوات الجيش الفرنسي في احتلاله للجزائر، ينتقل الكتاب ليفصل بالحديث عن الأمير عبد القادر عبر عدة صفحات، فيرجع ظروف امضاء معاهدة صداقة معه إلى خوف فرنسا من فقدان هيبتها بين البلدان الأوروبية بسبب مقاومته الشديدة، وإلى افتقادها في تلك الحقبة للعتاد العسكري المناسب لبسط سيطرتها وغزوها للجزائر.
-
ثم ليذهب في العام 1831 لوصف الأمير عبد القادر بالقائد الشاب الذي نصبه شعب معسكر ليكون سلطانا او أميرا، وبأنه ينحدر من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وانه مقدام وعنيد وطموح بموجب انه رغب في تأسيس امة عربية مستقلة يجمع من خلالها حوله عرب المسلمين.
-
ويشير الكتاب الى ان المعاهدة التي أمضتها فرنسا والأمير عام 1834 منحته السلطة و“البريستيج” الذي كان ينقصه –حسب ما يعتقدون-.
-
كما يذهب الكتاب إلى اعتبار سمات الأمير عبد القادر المميزة ورغبته في الاستقلال وردود فعله الحكيمة إزاء المواقف الفرنسية، بالمخيفة والمقلقة، لا سيما حيال “الماريشال كلوزال” الذي فشل -حسب وصف المرجع- في غزو مدينة قسنطينة، ليرد ذلك الفشل إلى ظروف الطقس البارد الذي حال دون تحرك الجيوش.
-
ولكن الكتاب وبعد استعراض قوة الأمير عبد القادر، يذهب إلى اعتبار ان الرعية، وبعد ان أحست بنفاذ منابع وإمكانات دعم مقاومته تخلت عنه، في إشارة إلى تعرضه لخيانات سهلت للجيش الفرنسي ضربه ضربات قاسية في مرات كثيرة. وبعد 07 سنوات من نضاله المستميت، يصف المرجع توقف الأمير عن القتال في العام 1847 بـ “الاستسلام”، ثم ينتقل الكتاب للحديث عن توسع الجيش الفرنسي بالجزائر، بوصف يجعل أي قارئ يستشعر مدى ثقل حجم الأمير عبد القادر وتشكيله مدة مقاومته للعدو حاجزا عنيدا ضد امتلاك بلد حر كالجزائر.