رياضة
الأنصار المنسيون يتحدثون عن أيام العذاب في مباراة بوركينا فاسو

وجدنا سهولة في أم درمان وواغادوغو وعشنا الجحيم في البليدة

الشروق أونلاين
  • 33021
  • 123
الشروق
الأنصار عاشوا الجحيم في البليدة

انتهت موقعة بوركينا فاسو، واقتطع الخضر بطاقة المشاركة لرابع مرة في كأس العالم، ارتفعت فيها منحة التأهل بالنسبة إلى اللاعبين والطاقم الفني وبالعملة الصعبة إلى ما فوق 200 ألف أورو. وقام الشعب بتتويج مجيد بوقرة ورفاقه كأبطال قوميين، وصاروا بالتأكيد أهم وأكبر من أي عالم جزائري حتى ولو حصل على جائزة نوبل.

لكن المشكلة أن حال المناصرين الذين يقولون عنهم إنهم اللاعب رقم 12 لم تتغير طوال نصف قرن من ممارسة الكرة، وتنظيم المقابلات، في ملاعب ضيقة لا تكفي لسكان بلدية صغيرة، بل إن وضعيتهم زادت سوءا وصار دخول الملعب لمشاهدة المنتخب الوطني أصعب من الحصول على التأشيرة لدخول الولايات المتحدة الأمريكية أو إنجلترا على حد تعبير الذين قطعوا آلاف الكيلومترات لأجل اقتطاع التذكرة. أما عن ظروف المتابعة فهي لا تختلف عن المحتشدات الشهيرة مما جعل بعض المناصرين يسمون ملاعبنا بغوانتانامو الرياضة، الدخول إليها عذاب والخروج منها مرض عضوي ونفسي. 

“الشروق”، بعد أن وضعت معركة بوركينا فاسو، أوزارها، عادت إلى المناصرين العائدين، فوجدتهم كجنود أرهقهم النزال ليس ضد البوركينابيين وإنما ضد الظروف القاهرة التي أسقطت منهم العشرات من الجرحى في معركة التذاكر، والعشرات من الجرحى في موعد الدخول إلى الملعب، والعشرات من الجرحى في معركة الاحتفالات..

سمير من قسنطينة، قال إنه غاب عن عمله في مؤسسة خاصة لمدة أسبوع كامل، كان همه الوحيد أن يعيش تسعين دقيقة في الملعب، ليجد نفسه يعيش تسعة أيام في الهمّ والنكد..: “صحيح أنني تابعت المقابلة ولن أنسى أبدا أنني كنت مع الفريق، وصحيح أنني مازلت فرحا وسأبقى لكنني تعذبت فعلا وخرجت من الزمن، كان التوجه إلى البليدة شاقا، والمبيت يوميا في فندق صغير مكلفا ومتعبا، ما أعلمه أنني أنفقت أكثر من 30 ألف دينار جزائري والناس يظنون أن سعر التذكرة 300 دينار، وهو ما يساوي راتبين من مدخولي في مهنتي، كل شيء يهون من أجل الفرح، لكنني أقسمت الآن أن لا أدخل ملعب كرة إلا إذا توفرت لنا أسباب الراحة، أو على الأقل احترامنا”. ويكمل زميلة قيس الكلام: “لا أدري لماذا يسموننا اللاعب رقم 12 وفي ساعة الحقيقة ينسوننا. اللاعبون أخذوا منحة ضخمة هي ثروة لا يحلم بها أي جزائري، ونحن يحرموننا من الاحترام. شخصيا سافرت إلى بلدان كثيرة حضرت دورة كأس أمم أوربا في تونس عام 2004 وسافرت إلى مراكش بالمغرب، في لقاء الرباعية الشهير، الملاعب جميلة لدى جيراننا والنظام في المستوى، ونحن مازال ذهابنا إلى الملعب لمشاهدة فريقنا الوطني أصعب من طوابير الفيزا أمام القنصلية الفرنسية في تسعينات القرن الماضي، رغم بعض المتعة وسط أجواء التشجيع التي نقضيها في الملعب”.

التنقل إلى الملاعب الجزائرية… إهانة

المشكلة أن أنصار الكرة في الجزائر صاروا يسافرون بكثرة إلى خارج الجزائر ويدخلون مباريات الكرة ويتأسفون كيف يتمكنون من الحصول على تذاكر الكلاسيكو، ويدخلون مباريات رابطة الأبطال الأوروبية ومباريات كأس العالم دون أدنى جهد ويقضون ساعة ونصفا من الراحة، بينما يجدون صعوبة ليس فقط في الحصول على التذكرة ودخول الملعب، وإنما في تجاوز ما وصفوه بالإهانات التي يتعرضون لها بداية من الخدمات المتدنية، مثل مراحيض الملاعب التي هي أسوأ من الإسطبلات، أو محلات الأكلات الخفيفة التي تكاد تمنح المرض والوباء. أما عن الكراسي الإسمنتية الحجرية فهي المرض الحقيقي الذي لا يمكن وصفه سوى بالإهانة لمناصر يصرّ الجميع على أن يطلق عليه اللاعب رقم 12 ولكنه لاعب منسي على طول الخط. وإذا كانت ملاعب المغرب ومصر وتونس والكثير من البلدان الإفريقية والعربية مجهزة بشاشات عملاقة ليستريح المتفرج برؤية زملائه المناصرين، وربما رؤية نفسه، فإن قدر المشجع الجزائري أن يشاهد الجحيم فقط، وتبدو ظروف المناصرين في التأهل الرابع للمنتخب الوطني أسوأ من ظروفه في أكتوبر عام 1981 عندما تأهلنا إلى كأس العالم بإسبانيا وأسوأ من أكتوبر 1985 عندما تأهلنا إلى كأس العالم في المكسيك، حيث جرت المبارتان في ملعبي 17 جوان بقسنطينة و5 جويلية وبعد هاته العقود مازال المناصرون يتسوّلون ملعبا لائقا وواسعا. وكما قالوا، قليل من الاحترام الذي يجعلهم يحسون أنهم مشجعون وليس اللاعب رقم 12 لأنهم أبعد ما يكونون من اللاعب رقم مليون؟

 .

الأنصار يطالبون بنقل لقاءات الخضر خارج الجزائر

بعض الأنصار طالبوا بنقل المباريات الودية القادمة بداية من شهر مارس إلى الخارج، من أجل صورة الجزائر، حتى لا تتكرر صور مباريات البوسنة وبوركينا فاسو، لأن كل الملاعب المتوفرة حاليا دون المستوى، وتشهد فوضى عارمة، وما حدث في المباراة التحضيرية عام 2010 ضد صربيا مازال عالقا في الأذهان، إذ بدا ملعب 5 جويلية مجهريا أمام الهجوم الكاسح للأنصار الذين قيل إن عددهم قارب نصف مليون شاب، حاولوا مشاهدة رفقاء زياني.

 والوعود لم تتوقف عن بناء ملاعب لائقة لكن حسب البطاقات الفنية المقدمة من طرف وزارة الشباب والرياضة بالنسبة إلى الملاعب التي هي في طور الإنجاز أو مشاريع الملاعب في العاصمة ووهران وتيزي وزو وسطيف وقسنطينة، فإن أكبرها لا تزيد سعته عن 50 ألف متفرج، مما يعني أن ملعب 5 جويلية الذي جاوز سن الأربعين سيبقى لعقد آخر على الأقل الأكبر والملجأ الوحيد. أما عن الكراسي المريحة فقد تم إزالتها من الملعبين الوحيدين اللذين استفادا منها، وهما 5 جويلية والشهيد حملاوي. وتبقى طريقة بيع التذاكر هي نفسها التي كانت تشهدها ملاعب الجزائر قبل الاستقلال، أما عن العشب الطبيعي فتلك حكاية أخرى.

 .

الأنصار: نريد أبسط حقوقنا فقط…

كل المناصرين من دون استثناء، قالوا إن الشكر الذي يتهاطل عليهم من اللاعبين ومن الإعلاميين، ما عاد يهمهم لأن الظروف التي يعيشونها من أجل متابعة المقابلة تكاد تكون إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، بعضهم يضحي بعمله وآخر بعائلته والبقية يعودون مرضى، محبطين، مصابين، وأحيانا مفلسين، لا معنى لأسعار بـ 300 دينار جزائري، والكل يعلم أن المناصر يجب أن يبيت في فندق ويأكل في مطعم وربما يقضي ليله في الشارع، ولا يمكنه أن يصطحب أقرب الناس إليه مثل شقيقه أو ابنه أو والده.

الكرة الجزائرية وخاصة تسيير المنتخب الجزائري دخل عالم الاحتراف، ولم يعد مختلفا عن أحوال المنتخبات العالمية الكبرى ولكن ما يحدث في أكشاك التذاكر وفي المدرجات يوحي أننا في عهد ما قبل كأس العالم عام 1930 بالأورغواي، لأجل ذلك فإن حكاية المبيت في الشارع أو التعرض للإصابات الخطيرة في التدافع ودفع 5000 دج في السوق السوداء لأجل شراء تذكرة الدخول والبقاء أكثر من عشر ساعات مثل الأصنام على كراس إسمنتية لن يحدث مستقبلا. وكما ضحى المناصرون دائما وأعطوا من دون شروط، هم الآن يطالبون بأبسط حقوقهم وهي احترامهم، كما هو حاصل في كل بلاد العالم التي تمارس كرة القدم.

مقالات ذات صلة