مشروع سياسي بين مرحّبين ومتحفظين
وجها لوجه بين غشير وقسنطيني: العفو الشامل.. المطلوب والممنوع لتسوية آثار المأساة الوطنية
يرى الأستاذ بوجمعة غشير، رئيس الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان، أن أسلم طريق لتجسيد مشروع العفو الشامل، يجب أن يمر عبر معرفة حقيقة ما جرى أثناء الأزمة، ثم تحديد أسبابها.
-
-
ويعتقد أن ترقية المصالحة الوطنية مطلب أكيد وملح لتجاوز ما خلفته الأزمة، لكنه يشدد على رفض سياسة اللاعقاب كونها تؤدي برأيه إلى سيادة الفوضى في مجتمع يصبح فيه الكل متهم والكل بريء.
-
من جهته، يؤكد الأستاذ فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الإستشارية لترقية حقوق الإنسان، أن العفو الشامل هو الحل النهائي للأزمة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، ويرى أن رئيس الجمهورية حدد شروطا للمستفيدين من العفو الشامل من شأنها أن تتدارك الثغرات التي سجلت في قانوني الوئام والمصالحة الوطنية.
-
-
-
-
-
قسنطيني: صحيح، رئيس الجمهورية أعلن ذلك صراحة أول مرة في الحملة الانتخابية الأخيرة وإذا تجسد فسيؤدي حتما الى إلغاء المتابعات القضائية، لكن أنبهك الى أن الرئيس حدد شروطا مقابل اللجوء الى هذا الإجراء، أولا إجراء استفتاء شعبي يعطي فيه الكلمة والقرار للشعب الجزائري، كما تم في قانون الوئام المدني ورأينا النتائج، ثانيا أن الرئيس كما تابعنا جميعا، حدد شروطا للإرهابيين المعنيين بالاستفادة من العفو الشامل منها أولا وضع السلاح وتسليم أنفسهم لأجهزة الأمن وسيتحدد مصيرهم بناء على استفتاء شعبي حول العفو الشامل الذي أتوقع أن يكون إيجابيا بناء على التجارب السابقة، الرئيس يسعى لتحقيق السلم نهائيا وإعطاء فرصة لبقايا الإرهابيين الذين يرغبون في التوبة، وممكن أن يرافق ذلك إجراءات أخرى لصالح الراغبين في العفو .
-
-
– ميثاق السلم والمصالحة الوطنية كان يتضمن عفوا، لا أقول كانت فيه نقائص، بل مشاكل واجهها المستفيدون من ضحايا المأساة الوطنية بسبب العراقيل الإدارية والبيروقراطية التي حالت دون تسوية وضعياتهم، ونحن نأمل أن تتم ترقية المصالحة الوطنية بإجراءات تكميلية خاصة لصالح فئات ضحايا المأساة الوطنية منها المفصولين من مناصب عملهم، إدماج التائبين وتعويض معتقلي الجنوب ونحن نتصور أن يدعم الرئيس مسعى المبادرة بتدابير جديدة لصالح هؤلاء.
-
-
– أوضح هنا أنه تم تسوية ملف المفقودين وأغلب العائلات استفادت من التعويض، بقي فعلا التكفل بالنساء المغتصبات من طرف الإرهاب وهذه مسألة هامة طرحناها على مستوى اللجنة، وهناك إضافة الى معتقلي الجنوب، الأشخاص المتضررين من الإرهاب ماديا الذين تعرضت ممتلكاتهم للتخريب والتدمير ومازالوا يطالبون بالتعويض .
-
-
– رفعنا تقارير الى السيد رئيس الجمهورية للمطالبة بإلغاء عقوبة الحبس عن الصحفي، لم يتم إيداع أي صحفي الحبس، لكننا نطالب بإلغاء هذه المادة من قانون العقوبات، وضعية حقوق الإنسان تحسنت كثيرا في السنوات الأخيرة على مستوى عدة أصعدة وهذا لا يمكن نكرانه، وتراجعت التجاوزات والانتهاكات ولا بد في هذه الظروف، أن ندعم حرية التعبير، وأنا اعتقد أن رئيس الجمهورية سيتخلص من هذا الموضوع، وإن كان أثار هذه المسألة فهذا يعني أنه سيصدر تدابير إضافية لصالح الصحفيين.
-
-
-
فاروق قسنطيني، محام من الرعيل الأول، كلفه رئيس الجمهورية بملف حقوق الإنسان منذ نهاية التسعينيات على رأس اللجنة الإستشارية لترقية حقوق الإنسان التي حلت محل آلية المرصد الوطني لحقوق الإنسان.
-
عرف عن قسنطيني، كسره للكثير من الطابوهات باستقباله للكثير من فئات ضحايا المأساة الوطنية من عائلات المفقودين وضحايا الإرهاب ومعتقلي الجنوب والتائبين.
-
سلم تقريرا مفصلا للرئيس حول ملف المفقودين.. وكان من هيئة الدفاع عن كبار المتهمين في قضية الخليفة بنك.
-
-
-
-
-
-
* موضوع العفو الشامل لم يعد مشروعا يبحث عن التجسيد كما يريد البعض إيهام الرأي العام بذلك، فالرئيس بوتفليقة شرع فعليا منذ توليه السلطة في نهاية التسعينيات، في تجسيده على أرض الواقع، وذلك من خلال النصوص القانونية المدرجة في قانون الوئام المدني الذي استفتي فيه الشعب في جانفي 2000، ثم بعد ذلك نصوص الميثاق من أجل السلم والمصالحة الذي تبناه الشعب في سبتمبر 2005. وهذه النصوص القانونية هي في واقع الأمر وجه من أوجه العفو الشامل الذي يجري الترويج له في الأسابيع الأخيرة.
-
وأنا أقول من موقعي كناشط حقوقي ومسؤول أول على الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر، أرى أن مثل هذه السياسيات مخالفة لكل الأعراف والقوانين المعمول بها في مختلف دول العالم، لأن تبنيها وفرضها على المجتمع، لا يمكن فهمه إلا من جانب واحد وهو تكريس سياسة اللا عقاب. فمن من غير المعقول أن نعيش في مجتمع الكل فيه بريء والكل فيه متهم.
-
ولذلك أقول إن أسلم طريق لتجسيد مشروع العفو الشامل، يجب أن يمر عبر مخرج واحد لا ثاني له، وهو إقامة العدل بمجازاة المتسببين في الأزمة الراهنة حسب جنس العمل المرتكب، وعند ذلك يمكن الحديث عن إمكانية عفو المجتمع عن أبنائه، لكن مع الإشارة إلى أن القانون لا يسمح للرئيس بالعفو على أشخاص لم يفصل القضاء في جرائمهم.
-
-
* أعتقد أن ترقية المصالحة الوطنية مطلب أكيد وملح لتجاوز ما خلفته الأزمة من تداعيات خطيرة على الإنسجام الاجتماعي، وترقية المصالحة كما نراها نحن في الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان، ينبغي أن تتضمن إجابات شافية وكافية لكثير من الأسئلة التي فجرتها الأزمة التي عصفت بالبلاد في عشرية التسعينيات، ولعل أول هذه النقاط هي أنه لا بد من معرفة حقيقة ما جرى أثناء الأزمة، ثم تحديد أسباب هذه الأزمة، بمعنى أنه يجب تحديد الأشخاص والمؤسسات الذين تسببوا في سقوط الآلاف من الجزائريين.
-
والقانون في مثل هذه الحالات واضح ولا يحتاج لاجتهاد أو تأويل، إنه يلزم معاقبة المتسببين في الأزمة إن كانوا أشخاصا، وللمجتمع حق العفو عنهم. أو بمعنى آخر لا بد من تطبيق القانون أولا ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن العفو. أما إذا كان المتسبب في الأزمة مؤسسات، فهنا لا بد من إدخال إصلاحات جذرية على هذه المؤسسة، حتى لا يعاد تكرار نفس التجاوز مستقبلا. كما أن هناك مسألة أخرى؟.
-
-
* عندما نتحدث عن ترقية المصالحة فمعنى ذلك أن نتصالح مع تاريخنا وهويتنا.. فكثير من الجزائريين منقسمون حول ما إن كانوا عربا أم أمازيغا أم فرانكوفونيين. هناك توجُّه يريد خلق ضبابية في هوية الشعب الجزائري، وعليه أرى أن ترقية المصالحة ينبغي أن تتطلب حسما في مسألة الهوية والتاريخ.
-
-
* نحن نأمل أن تشمل المصالحة الوطنية كل المتضررين وأن تعمل على جبر جروحهم، فذلك أمر أساسي. لكن بالموازاة مع ذلك لا بد من إنزال العقاب على المتسببين في الأزمة التي ضربت استقرار وأمن البلاد، لأن تكريس سياسة اللا عقاب من شأنها أن يؤدي إلى سيادة الفوضى في مجتمع يصبح فيه الكل متهما والكل بريئا. لا بد من معاقبة الجاني وإنصاف البريء، حتى لا نسوي بين الجلاد والضحية.
-
-
* نحن نتمنى أن يجسد الرئيس وعوده على أرض الواقع، لأن حرية الصحافة ركيزة أساسية في بناء الديمقراطية، وعليه فإننا نتمنى وندعو بإلحاح الرئيس إلى الوفاء بما وعد به.
-
-
-
الأستاذ بوجمعة غشير محامي متمرس وحقوقي بارز. يحسب له دفاعه المستميت عن حقوق الإنسان حتى في الوقت الذي سكت فيه كثيرون.. سبق غيره من الحقوقيين في تأسيس جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان وكان ذلك في 11 أفريل 1987، أسماها “الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان“.
-
شغل عدة مناصب في مؤسسات حقوقية إقليمية، منها عضوية المكتب التنفيذي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بالقاهرة، إلى جانب عضوية المكتب التنفيذي لشبكة الديمقراطية في الوطن العربي، كما ترأس أول شبكة لتنمية الديمقراطية في الوطن العربي بالقاهرة، إلى جانب رئاسة اللجنة العربية لتقصي حقائق ما بعد الغزو الأمريكي للعراق، وهو يرأس حاليا الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان.