الجزائر
تسوّق سموما قاتلة أعدّت في وسط متعفّن

ورشات سرّية لتصنيع الحلويات والخلطات “تجرم” بحق الجزائريين

سمير مخربش
  • 7201
  • 0
أرشف

تتميز ولاية سطيف على غرار بعض الولايات، بالانتشار الرهيب للورشات السّرية المختصة في تصنيع مواد استهلاكية متنوعة، تُحضر في ظروف كارثية، تجمع بين الوسط المتعفن والآلات القذرة، في حضور الحشرات والجرذان ومختلف الأدوات الحاضنة للجراثيم، وكل ذلك لتصنيع منتجات تبدو ظاهريا عادية، لكنها في الأصل سموم تقدم على طبق للمستهلك.
وتتنوع منتجات المستودعات بين الحلوى والكعك والحلويات والهلاليات ومواد التجميل، وبعض الخلطات التي تستعمل للتداوي من مختلف الأمراض، ومع تكاثر هذه الورشات واستفحالها في المستودعات المغلقة والأحياء الشعبية، تطور الأمر إلى استعمال كلّ الأدوات التي تسمح بإنتاج أكثر على حساب النظافة والصحة والعمومية.
آخر صيحة في هذا المجال، جاءت من ورشة تم تفكيكها منذ يومين من طرف مصالح الأمن بعدما تبين أن صاحبها يقوم بتصنيع حلوى الحلقوم بالاستعانة بخلاّطة الإسمنت، وهي خلاّطة قديمة أكلها الصدأ والتصقت بها الأوساخ المتراكمة منذ سنوات، هذه الآلة التي صنعت من أجل خلط الإسمنت في ورشات البناء تحولت بابتكار المحتالين إلى أداة لتصنيع الحلوى التي يأكلها الأطفال، وكأن صاحبها تجرد من إنسانيته، ولم يعد يهمه سوى الربح السريع.
وقد تم حجز كمية من هذه الحلوى قدرت بحوالي 19 قنطار كما عثر على عتاد قديم يصدم الزائر، يجمع بين ” الباسينة والطابونة والبيدون” والقضبان الخشبية وقارورة الغاز والمعول القديم، وكلها أدوات لا تتوفر فيها أدنى شروط النظافة، وهي ظاهرة اعتادت عليها العديد من الورشات بأحياء سطيف، لكن هذه الورشة صنعت التميز ورفعت السقف بالاستعانة بخلاطة الإسمنت التي تعتبر من ابتكارات هذا النشاط الطفيلي.

حلويات “القاراجات” في ضيافة الحشرات والجرذان

وقد سبق لمصالح الأمن أن ضبطت ورشات مماثلة مختصة في تصنيع مواد ذات استهلاك واسع، أبرزها الحلويات التي تعرف حاليا باسم حلويات “القاراجات” لأنها تصنع في مستودعات تصلح لكل شيء عدا تحضير الحلوى والمأكولات. فأصحابها يستعملون مواد فاسدة غير صالحة للاستهلاك في مقدمتها البيض المكسور، والذي من المفروض أن يوجه إلى سلّة المهملات نظرا لعدم صلاحيته، إلا أنّ أصحاب المستودعات يشترونه بثمن بخس، وأحيانا مجانا ويستعملونه في صناعة الحلويات دون إعارة أي اهتمام لصحة المستهلك، وهي طريقة مستوحاة من “قاموس” الاحتيال والربح السريع، والعملية تكون داخل مستودعات مغلقة لو اطلعت عليها لملئت منها رعبا، لما سيفاجئك من أوساخ وقاذورات تمتزج مع العجين والشكولاطة الملطخة على الجدران والأواني التي اسودت من فرط استعمالها دون غسيل. والمستودع بكامله معبأ بالجرذان والصراصير وهو شبه ورشة مجهزة بمعدات تقليدية لم تغسل منذ سنوات. وبإمكانك أن تلاحظ السواد الذي يغطي الأواني والأرضية والجدران، وفي مثل هذه الورشات السرية هناك اختصاص آخر يكمن في إعادة استغلال الكعك المحضر منذ أيام، فيقومون بطحنه واستعماله في تحضير كعك جديد، وهي عملية رسكلة غير شرعية وغير صحية.
ومن العمليات المسجلة بسطيف، ضبط ورشة مختصة في تصنيع المقويات الطبيعية والعقاقير الطبية التي تصنع بمستودعات بعيدة عن الرقابة، وهي بمثابة صيدلية موازية ومخبر طبي كلانديستان لتسويق منتجات للجزائريين، دون مراعاة أدنى الشروط الصحية.
وصنفت هذه المواد كمنتجات تمس بالاقتصاد الوطني والصحة العمومية، ويتعلق الأمر بخلطة تدعى “التلبينة” التي تصنع من العسل وبعض التوابل، وتسوق كدواء يعالج الضعف الجنسي والروماتيزم والأرق، وهي الخلطة التي لا تخضع لأي معايير علمية وتصنع بمستودع لا تتوفر فيه أدنى شروط النظافة.

خلطة واحدة لأمراض متعددة
كما تمّ حجز قوارير من زيت بذرة الكتان، يدعي صاحبه أنه علاج لعدد هائل من الأمراض كالإمساك والالتهاب والقرحة المعدية والأمعاء وتساقط الشعر، والأمراض الجلدية والإقزيما والبروستات والكوليسترول أي أن الرجل يبيع دواء واحدا لمعالجة كل هذه الأمراض المتفرقة. وتم أيضا في عملية سابقة حجز كمية من منتج يسمى معجون قوة الرجال المصنوع من العسل والزنجبيل وبعض التوابل. وضبطت شمة مصنوعة من الزنجبيل والنعناع وبعض التوابل، تقدم كبديل عن مادة الشمة المعروفة في الأوساط الشعبية.
وفي عملية أخرى ضبطت ورشة مختصة في صناعة خلطة مسمنة موجهة للمرضى بفقر الدم، والمشتكين من النحافة وهو المنتج الذي يصنع بطريقة بدائية داخل مستودع لا تتوفر فيه شروط النظافة، ولا يخضع لأي مراقبة. والغريب أن هذه الخلطة تنسب الى الصيدلية النبوية وتقدم للمستهلك على أساس أنها منتج من الطب البديل، الذي يعرف حاليا عملية اقتحام منظمة من طرف الدخلاء على القطاع، فلم يعد المستهلك يفرق بين الأصلي والمغشوش.
بل هناك من استغل إقبال الناس على ما يسمى بالطب البديل فتجرأ على صنع خلطات تنسب بهتانا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تم كشف هذه العملية في مستودع، تصنع فيه خلطة تسمين اشتهرت وسط المصابين بفقر الدم والنحافة، وهي عبارة عن مزيج من العسل والمكسرات وبعض التوابل.
الخلطة تصنع في إسطبل لا تتوفر فيه شروط النظافة، ويتم تصنيع هذه المادة في ظروف بيئية كارثية، حيث يتم خلط المواد الأولية في قِدر على طريقة الأعراس وتحرك بمعول خشبي ضخم، ثم توضع في عبوات وتعلب بطريقة بدائية لتعرض للبيع مباشرة، وفي غالب الأحيان أصحاب هذه الورشات لا يملكون سجلا تجاريا، ولا أي رخصة تسمح لهم بممارسة هذا النشاط.
كل هذه الورشات ضبطت بمستودعات مغلقة، استغل أصحابها سذاجة بعض المستهلكين، الذين يقبلون بعشوائية على اقتناء مختلف المنتجات دون السؤال عن مصدرها وظروف تصنيعها، وهو ما يتعارض مع ثقافة الاستهلاك التي مازالت هشة، ووضعها شجع هؤلاء المتطفلين لممارسة نشاط يصنف في خانة الإجرام.

مقالات ذات صلة