الرأي

وزن الجبهة الداخلية يزداد بين الدول…

محمد سليم قلالة
  • 663
  • 0

ما يحدث في كافة دول عالم اليوم، شرقا وغربا، بات يؤكد أمرا واحدا، إنما القوة هي في الجبهة الداخلية أولا، إن كانت الدولة كبرى أو صغرى، إن كانت حركة تحرير أو حركة مقاومة، إن كانت الصين أو روسيا أو إيران أو فنزويلا أو فلسطين أو ألمانيا القوة الأوروبية الأولى… لا فرق بينها، بل إن دولا صناعية كبرى اليوم مثل الولايات المتحدة الأمريكية، بات واضحا أن أكبر خطر يهدّدها ليس منافسة الصين ولا روسيا ولا الاتحاد الأوروبي، إنما الوضع الداخلي الأمريكي المثقل بالدّيون والأزمات ومشكلات الهجرة، ناهيك عن الجريمة والانحطاط الأخلاقي الذي بات حديث العالم اليوم بعد فضائح “إبستين”.
وفي المقابل، دول أقل قوة مثل إيران أصبح بإمكانها الصمود في وجه تهديدات أكبر قوة عسكرية في العالم، ليس فقط بما تمتلك من أسلحة ردع، وإن كانت محدودة ما دامت دون المستوى النووي، إنما بسبب صمود جبهتها الداخلية فيما عرفت من اضطرابات موجّهة في بداية الشهر الماضي وتمكّنت من احتوائها وهزيمة مدبّريها، في الوقت الذي تابعنا كيف فشلت دول أخرى في مواجهة المخططات الأمريكية مثل فنزويلا، لا لقدرة خارقة لفرق قوات أمريكية خاصة أو أسلحة سرية، كما روّجت لذلك وسائل إعلام عالمية، بل لوجود خلل ما في جبهتها الداخلية ستكشف لنا الأيام لاحقا عنه، وسيكون متعلقا بالداخل الفنزويلي في المقام الأول. والأمر ذاته في فلسطين اليوم، فرغم همجية جيش الإبادة الصهيوني ورغم استخدامه كافة الوسائل التكنولوجية للكشف عن أسراه لدى المقاومة إلا أن ذلك لم يمكّنه من تحرير أسير واحد، نتيجة قوة الجبهة الداخلية وعدم قدرة الأجهزة الصهيونية على تفكيك شفرتها واختراقها… وقد تأكد مع مر الأيام أن الكثير من الأهداف التي تم تحقيقها من قبل الجيش الصهيوني، إِنْ في الداخل أو الخارج إنما كان بسبب خروقات في الجبهة الداخلية، بل إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم من مواصلة للعدوان والتدمير ما كان ليحدث لولا خذلان البعض وخيانة البعض الآخر من العملاء…
ولن نبالغ إذا ما انتقلنا إلى مستوى دولة عظمى كالصين إذا قلنا أنها صنعت قوتها أولا انطلاقا من جبهتها الداخلية التي لم يتمكن الغرب من اختراقها، وهي الآن تعمل لتعزيز هذه الجبهة من خلال سد ثغرة تايوان المدخل الوحيد المتبقي للغرب لزعزعتها.. وذات الأمر بالنسبة لروسيا التي، خلافا لأوكرانيا التي عرفت فضائح داخلية خلال الحرب، أكدت أنها قادرة على الحفاظ على تماسكها الداخلي بل وزيادته أمنيا واقتصاديا طيلة السنوات الماضية.
وهذا يعني أن المرحلة التي يعيشها النظام العالمي اليوم، لم تعد تحتاج إلى الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، أو معاداة هذا الطرف أو ذاك على الصعيد الخارجي، بقدر ما أصبحت تحتاج إلى النظر إلى الداخل قبل الخارج كأولوية للحفاظ على أمنها واستكماله. وهو ما يجعلنا نقول أن هناك بالفعل تحولا جوهريا في العلاقات الدولية ينبغي ألا نغفل عنه خاصة في هذه الفترة الانتقالية من نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (بما فيه من كتل وتوازنات)، إلى نظام آخر يقوم على مبادئ مختلفة يتداخل فيه الأمني بالسياسي والاقتصادي ويأخذ البعد الإعلامي والاتصالي مكانة غير مسبوقة فيه نتيجة الثورة التي حدثت في مجال الذكاء الاصطناعي.
فلينظر، كل إلى جبهته الداخلية، وإن بدا الحرص عليها فيه بعض التحول أو التناقض في السياسية الخارجية… إن المرحلة اليوم هي بامتياز ليست فقط مرحلة الغموض في السياسة الدولية، بل بات الغموض هو السلاح الاستراتيجي الأول حتى يمر هذا التحول الواقع في النظام العالمي بسلام…

مقالات ذات صلة