-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
4 أيام لـ"الشروق" في ريف تشجيانغ لاكتشاف كيف تصنع القرى دخلها بنفسها:

  وصفة صينيّة لـ”مناطق الظل”… التغيير يبدأ بما يملكه المواطن!

إيمان كيموش
  • 219
  • 0
  وصفة صينيّة لـ”مناطق الظل”… التغيير يبدأ بما يملكه المواطن!
إيمان كيموش/الشروق
ريف تشجيانغ في الصين، سبتمبر 2026.

مبعوثة “الشروق” إلى تشجيانغ: إيمان كيموش

قبل أيام قليلة من حلول عيد منتصف الخريف في الصين، كانت قرى تشجيانغ تستعد لاستقبال العيد، أضواء وزينة في الشوارع، محلات تتحضر لموسم جديد من الزوار، ومزارعون يواصلون بيع منتجاتهم، فيما كنا ننتقل من قرية إلى أخرى، لا نبحث عن قرى جميلة للصور، وإنما عن إجابة عن سؤال، ماذا فعل هؤلاء الناس حتى تغيرت قراهم؟ خلال أربعة أيام، اكتشفنا أن الحكاية لم تعتمد على البترول والغاز، ولم تبدأ دائما بمشروع ضخم أو بناية شاهقة، بل أحيانا بجدار قرر السكان خفضه، وطريق ضيق جرى توسيعه، ومخزن قديم تحول إلى مقهى، وحقل شاي أصبح مكانا يقصده السياح، وحتى فناء منزل فتحه صاحبه للسيارات، في هذه القرى، لم يعد الريف مجرد مكان للسكن والزراعة، بل أصبح السكان يبحثون عن كل ما يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل، أرضهم، منتجاتهم، بيوتهم القديمة، عاداتهم، وحتى المشكلات التي تواجههم.

  • قرى هُدمت جدرانها وبنت اقتصادها من الشاي والخضروات وحتى أفنية المنازل
  •  دخل الفرد في “ليتزو” يقفز من 5 آلاف إلى 70 ألف يوان دون بترول ولا غاز

من قرية عادية إلى وجهة يقصدها السياح وأعلى دخل قومي 

في اليوم الأول، كانت وجهتنا قرية ليتزو في مدينة إيوو، من الطريق تبدو القرية هادئة، ولا توحي بما حدث فيها، قبل نحو عشرين عاما، كانت قرية ريفية عادية، قبل بدء تحسينها سنة 2004، ثم دخلت منذ 2017 مرحلة جديدة من التطوير، لكن الفرق هنا أن السكان لم يكتفوا بتجميل القرية، بل طرحوا سؤالا عمليا، ماذا يمكن أن نفعل بكل هذا الجمال حتى يصبح مصدر دخل؟ هكذا بدأت المحلات الصغيرة تظهر، وبدأ بيع المنتجات المحلية، وظهرت المقاهي والمطاعم، وأعيد استخدام مبان قديمة، أحد المباني الذي كان يستخدم في السابق كإسطبل أصبح مقهى، ومكان آخر تحول إلى فضاء تجاري يعرض منتجات من إيوو، وفي محل “كانتين ليتزو”، الذي افتتح سنة 2020، يجري بيع الحلويات في الطابق الأول، بينما يتم إعداد الكعك في الطابق الثاني، فالقرية لم تنتظر مصنعا ضخما، وإنما قسمت اقتصادها إلى مشاريع صغيرة، مقاه ومطاعم ومتاجر ومنتجات زراعية وفضاءات لاستقبال الزوار.

ريف تشجيانغ في الصين، سبتمبر 2026. صورة: إيمان كيموش/الشروق.

لكن أقوى ما يكشف حجم التحول في ليتزو هو الأرقام، فمتوسط دخل الفرد الذي كان أقل من 5 آلاف يوان سنويا سنة 2003، ارتفع إلى نحو 52 ألف يوان سنة 2022، قبل أن يبلغ 70 ألف يوان سنة 2025، فيما أصبحت القرية تستقبل أكثر من مليون سائح سنويا، وتحول النشاط السياحي إلى جزء من دورة اقتصادية تستفيد منها المطاعم والمقاهي وأصحاب المتاجر والمنتجات الزراعية والمشاريع الصغيرة، والأهم أن السكان أصبحوا طرفا في تحديد مستقبل المكان، فكل سنة، يكتب سكان ليتزو أهدافهم ومقترحاتهم، ثم ترفع إلى الجهات الحكومية، وبعد انتهاء السنة يعودون إليها ليروا ماذا تحقق، فلا تكتفي القرية بفرض خطة على السكان، بل تترك لهم مساحة ليحددوا ما يحتاجونه.

وعندما وقفنا في الساحة التي شهدت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للقرية سنة 2023، كانت الزيارة قد أصبحت جزءا من ذاكرة المكان، شاشة تعرض تصميما سابقا للساحة، وقائمون على المكان يتحدثون عن مرحلة جديدة بدأت فيها مشاركة الشباب بصورة أكبر في تطوير القرية، وكان واضحا أن التحول أصبح شيئا يريد السكان الحفاظ عليه وتطويره، فالإصلاح هناك بدأ من الأسفل، من المواطن. 

جدار أقل من متر يغير حياة قرية

في اليوم الثاني، انتقلنا إلى شياوغوتشنغ، وهنا كانت البداية بجدار منخفض لا يكاد يتجاوز مستوى الخصر، كان بالنسبة لسكان القرية نتيجة نقاش طويل، في الماضي، كانت جدران المنازل مرتفعة، بعضها يصل إلى مترين أو ثلاثة، والطرق ضيقة، وكل بيت يعيش خلف حدوده، عندما قرر السكان إعادة تهيئة قريتهم، ذهب ممثلون عن السكان وأعضاء الحزب الشيوعي إلى قرى أخرى، شاهدوا كيف عالجت مشكلاتها، ثم عادوا إلى شياوغوتشنغ وجلسوا مع السكان، ناقشوا شكل الجدران، والخصوصية، والطرق، والمساحات الخضراء، وما يمكن أن تدفعه القرية وما يمكن أن تحصل عليه من دعم، وفي النهاية، خرجوا بتغيير بسيط في شكله، لكنه كبير في أثره، جدران منخفضة، طرق أوسع، مساحات خضراء، وأسلاك كهربائية دفنت تحت الأرض.

تحت شجرة كافور عمرها نحو مئة عام، يجتمع السكان لمناقشة شؤون قريتهم، وعند المدخل، تختصر عبارة واحدة الفكرة، “أمور الجماهير تناقش وتحل بالجماهير”، وقد رأينا أثرها في تفاصيل القرية، حتى الخضروات الزائدة تحولت إلى مال، ففي شياوغوتشنغ، يوجد كشك لبيع المنتجات الريفية لا يعمل مثل المتجر التقليدي، يضع أحد السكان منتجاته في الصباح، يعود في الظهر ليضيف ما نقص منها، ثم يأتي في المساء ليأخذ ما تبقى، يبيع بكبسة زر بالرقمنة، بهذه الطريقة يستطيع بيع منتجاته من دون دفع أجرة عامل، ويضيف المشروع لصاحبه نحو 5 آلاف يوان سنويا، وعندما ارتفع عدد السياح وظهرت مشكلة مواقف السيارات، فتح بعض سكان القرية أفنية منازلهم أمام سيارات الزوار مقابل 20 يوانا للسيارة، وهكذا أصبح فناء المنزل مصدرا لدخل إضافي للعائلة.

وفي الحديقة البيئية المشتركة، يزرع السكان قطعهم الصغيرة من الأرض، وعندما تنتج الأرض أكثر مما تحتاجه الأسرة، يستطيع الزائر شراء كيس من الخضروات بسعر 30 يوانا، السائح يأخذ معه خضروات طازجة، وصاحب الأرض يحصل على دخل إضافي، والقرية تستفيد من وجود الزائر.

المواطن الذي يحافظ على بيته يحصل على سلع مجانا

لكن أكثر ما لفت انتباهنا في شياوغوتشنغ كان نظام النقاط، في أحد المحلات، لا يدخل المواطن فقط ليشتري، يمكنه أيضا أن يدخل ومعه نقاط حصل عليها من حياته اليومية في القرية، الأسرة التي تحافظ على نظافة محيط منزلها تحصل على تقييم، ومن يلتزم بالنظام ويحافظ على البيئة ولا يسبب الإزعاج لجيرانه يمكن أن يحصل على نقاط، كما تدخل في التقييم جوانب من الحياة الأسرية والمشاركة في المجتمع، مثل نجاح الأبناء في الدراسة والحفاظ على أسرة مستقرة وعلاقات جيدة مع الجيران.

تتجمع النقاط مع الوقت، ثم يستبدلها صاحبها في “متجر النقاط” بسلع يحتاجها، مقابل الحفاظ على النظافة والبيئة واحترام الجيران والالتزام بالقواعد والمشاركة في المجتمع.

وفي القرية نفسها، وجدنا أمثلة أخرى على إعادة استخدام ما كان موجودا، مخازن قديمة، أماكن كانت تستخدم لتخزين الحطب، وفضاءات فقدت وظائفها، أعيد استخدامها وتحولت إلى مقاه ومكتبات ومحلات لبيع المنتجات الزراعية، أحيانا يكفي أن تسأل، ماذا يمكن أن يصبح هذا المكان؟

عندما يصبح الشاي سياحة أيضا

في اليوم الثالث، أخذتنا الرحلة إلى جينغشان، هنا يصعب أن تفصل القرية عن الشاي، فالشاي ليس مجرد محصول ينمو في الأرض، وإنما أصبح جزءا من الثقافة والاقتصاد والسياحة، تمتد مزارع الشاي على مساحات واسعة، ويستطيع الزائر أن يدخل الحقول، ويشارك في القطف والتصنيع والتذوق، ثم يشتري المنتج الذي شاهده منذ كان في الأرض.

مزارع الشاي في ريف تشجيانغ في الصين، سبتمبر 2026. صورة: إيمان كيموش/الشروق.

يمكن أن تبدأ الرحلة في حقل وتنتهي في مقهى أو فضاء ثقافي أو متجر للمنتجات المحلية، فالزائر يتعرف على الشاي ويتذوقه ويشتريه، وبذلك يصبح الحقل مصدرا للزراعة والسياحة معا، وتشكل مزارع الشاي والمسارات والفضاءات الثقافية وتجارب القطف والتذوق سلسلة واحدة تخلق فرص عمل ومداخيل جديدة.

قرية تتحول إلى “مجتمع الأمم المتحدة“

ومن الريف الزراعي انتقلنا إلى جيمينغشان في إيوو، هنا تغير المشهد تماما، كانت جيمينغشان في الأصل قرية، ثم تحولت إلى حي يعيش فيه أكثر من 30 ألف شخص، بينهم أجانب من عشرات الدول، ولذلك اكتسب المكان لقب “مجتمع الأمم المتحدة“.

لم يعد السؤال هنا كيف نبيع الخضروات أو كيف نجذب السياح، وإنما كيف تجعل شخصا جاء من بلد آخر يعيش في المكان ويفهمه ويشارك في حياته، عندما يصل المقيم الجديد، يحصل على دليل يشرح له الحي، الشوارع، الخدمات، أماكن المساعدة، أرقام الطوارئ والأنشطة، وتنظم دروس لتعليم اللغة الصينية، إلى جانب محاضرات حول القوانين والسياسات والثقافة الصينية.

لكن التعليم لا يسير في اتجاه واحد، فهناك أيضا برامج لتعليم الإنجليزية والعربية والإسبانية، ومدرسون للعربية، وبعض من يدرسونها اليوم بدأوا بتعلم الصينية ثم انتقلوا إلى تعليم لغتهم للآخرين، كما توجد فرق للترجمة والخدمات، ويشارك السكان الأجانب في الأنشطة المحلية والاحتفالات. 

أربعة قرى.. وفكرة واحدة

بعد أربعة أيام، بدأت الصورة تكتمل، في ليتزو، تحولت البيوت القديمة والمنتجات المحلية والجمال إلى أعمال صغيرة تستقبل الزوار وتدر دخلا، حتى أصبح متوسط دخل الفرد 70 ألف يوان في 2025، بعدما كان أقل من 5 آلاف يوان في 2003، وفي شياوغوتشنغ، شارك السكان في تحديد شكل القرية، وحولوا نقص مواقف السيارات والفائض الزراعي والسلوك الاجتماعي الجيد إلى مصادر دخل أو نقاط، وفي جينغشان أصبح الشاي جزءا من تجربة سياحية، أما جيمينغشان، فقد وسعت معنى التنمية ليشمل السكان والأجانب.

وهنا تكمن الصورة التي حملناها من تشجيانغ، الخروج من التهميش لا ينتهي عندما يصل الطريق والماء والكهرباء، فهذه بداية ضرورية، ثم يأتي السؤال، ماذا سينتج المكان؟ وكيف سيعيش سكانه؟ في القرى التي زرناها، كانت الإجابة مختلفة، لكن الفكرة واحدة، أن تبحث القرية عما تملكه وتمنحه قيمة أكبر، فالأرض تصبح إنتاجا، والإنتاج يصبح علامة، والعلامة تصبح سياحة، والسياحة خدمات وأعمالا ودخلا، ويظل السكان جزءا من العملية لا مجرد منتظرين لمشروع يأتي من الخارج.

وحينما طرحنا السؤال على أنفسنا ماذا يمكن أن نتعلم نحن كجزائريين؟، هنا تبدو المقارنة مع الجزائر طبيعية، خصوصا في المناطق التي عرفت لسنوات باسم “مناطق الظل”، حيث كان تحسين ظروف الحياة والخدمات الأساسية أولوية بالنسبة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ووضع لها برنامجا كاملا منذ عهدته الأولى، لكن التجربة التي شاهدناها في تشجيانغ تطرح سؤالا آخر، ماذا يحدث بعد أن تتحسن ظروف الحياة؟ كيف تتحول المنطقة من مكان يحتاج إلى الدعم إلى مكان يستطيع أن ينتج جزءا من دخله بنفسه؟

لا يعني ذلك نسخ التجربة الصينية كما هي، فالقرية الجزائرية لها طبيعتها الاجتماعية، وأراضيها ومواردها وعاداتها واحتياجاتها، لكن بعض الأفكار تبدو قابلة للنقاش، أن يسمع المسؤول سكان المنطقة قبل اتخاذ القرار، وأن تتحول المنتجات المحلية إلى مصدر للدخل، وأن يعاد استخدام الأماكن المهملة، وأن ترتبط الزراعة بالسياحة، وأن تجد الأسرة الريفية أكثر من طريقة للحصول على دخل من المكان الذي تعيش فيه.

الفكرة في النهاية ليست أن تصبح كل قرية نسخة من قرى تشجيانغ، ولكن الفكرة أن لا تبقى القرية تنتظر دائما أن يأتيها الدخل من الخارج، أو من الدولة، بل أن تعتمد على سواعد أبنائها وأفكار شبابها.

وقبل مغادرة تشجيانغ، كانت القرى تستعد لاستقبال عيد منتصف الخريف، أضواء جديدة، محلات تستعد للزوار، ومزارعون يواصلون أعمالهم في أماكن لم تعد تشبه صورتها القديمة، وربما كان أكثر ما بقي في ذهننا أن التحول الكبير لا يظهر دائما في مشروع ضخم، أحيانا يبدأ من جدار خفضوه من ثلاثة أمتار إلى أقل من متر، أو شجرة كافور يجتمع تحتها أهل القرية، أو كيس خضروات يشتريه سائح، أو فناء منزل يفتح صاحبه بابه للسيارات، أو مخزن قديم يتحول إلى مقهى، أو نقاط يحصل عليها مواطن لحفاظه على نظافة بيته واحترام جيرانه، وقد يبدأ من حقل شاي، لكن هذه الأشياء الصغيرة حين تجتمع تغير وجه المكان، وهذا ما رأيناه في ريف تشجيانغ، قرى حاول سكانها أن يصنعوا من المستقبل شيئا يعيشون منه، ولم يعودوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل أصبحوا جزءا من صناعتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!