الرأي

وطنيون في مَوطِن الاغتراب!

محمد حمادي
  • 2812
  • 0

مع كل مناسبةٍ تاريخية في البلاد، تُعزف الأناشيد الوطنية، وترفرف الرايات الوطنية عاليا، لتوخز الذاكرة، مذكِّرة إياها ببطولات شهيد، روى بدمائه الزكية أرض الوطن، أو مجاهد فتك ببطولاته النسيان. لكن ماذا عن أولئك الوطنيين في زمن قلة الوطنية الذين يعيشون آلام الاغتراب في كاليدونيا الجديدة؟ هل مددنا معهم جسور الوفاء والعرفان؟ هل عرّفنا الأجيال الصّاعدة بتضحيات أجدادهم؟ هل أخبرناهم عن الألم الذي عصر أفئدة أولئك الوطنيين في القرن التاسع عشر، لمّا شقت بهم بواخر المستعمر الفرنسي عباب البحر، لتقذف بهم إلى عالم مجهول؟

التقارير والروبورتاجات التي تبثها في كل مرة منابر إعلامية أجنبية، عن جزائريين اكتووا بآلام الاغتراب في أرض كاليدونيا الجديدة، تُعيد في كل مرّة عجلة التاريخ، لتروي فصولاً مريرة عن المئات من أجدادهم، الذين عاقبهم الاستعمار الفرنسي، برميهم إلى جزر متناثرة في المحيط الهادئ، عقب ثورة الشيخ المقراني (1870-1871م) التي ساندها الشيخ الحداد، وها هو الحنين يشدّ أحفادهم إلى أرض البطولات، بالرغم من بعدهم عنها آلاف الكيلومترات. هؤلاء وُلدوا وترعرعوا في كاليدونيا، وتقلّدوا مناصب عليا في هيئاتها الرسمية، لكن الجزائر وما أدراك ما الجزائر، ماتزال تسري في دمائهم، وقلوبهم تخفق بالحنين إلى موطن التضحيات، على وقع “نشيد المنفيين” الشهير: “قولوا لأمي ما تبكيش.. يا المنفي.. وليدك راح وما يوليش.. يا المنفي”.

فرنسا الاستعمارية التي أرادت قتل وطن عبر نفي ثواره إلى كاليدونيا، لم تكن تعلم بأن أمثال هؤلاء متشبِّعون بقيم الحياة، كيف لا وهم الذين كانوا يأكلون الثمار التي جلبوها من بلدهم، طيلة رحلتهم المجهولة عبر بواخر النّفي، ويحتفظون بالنواة ليزرعوها على أرض كاليدونيا، فكانت أول نخلة نبتت في هذه الجزيرة جزائرية، وكان الألم جزائريا خالصا، ترك جروحا غائرة في الذاكرة الوطنية.

أحفاد المنفيين إلى كاليدونيا، لا يحلمون سوى بكتابة تاريخهم لتقرأه الأجيال غدا، مع تمكينهم من جواز سفر جزائري، وتسهيل إجراءات حصولهم على التأشيرة، لا لشيء إلا ليزوروا موطن الآباء والأجداد.. هؤلاء لم ينسلخوا من هويتهم العربية والإسلامية، وحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم على أرض أذاقتهم ويلات الاغتراب.

مقالات ذات صلة