الرأي

وقت الحقيقة

صالح عوض
  • 1801
  • 0

لم يعد هناك متسع لإعطاء فرصة أخرى للقائلين بجدوى المفاوضات مع العدوّ الصهيوني في هذه الشروط التي أصبحت فيها المفاوضات دربا من التغطية على منهجية عنصرية متواصلة ضد أبناء الشعب الفلسطيني. فبعد أكثر من عشرين عاما من المفاوضات لتنفيذ اتفاقيات أوسلو الموقعة بضمانات دولية وفي البيت الأبيض الأمريكي، تبين للجميع أن ذلك لم يكن إلا خدعة من الأمريكان والصهاينة للتقدم في ظل ذلك الغطاء المخادع نحو تدمير ركائز الموقف العربي في العراق وسوريا وما بينهما.. وذلك لإفقاد الموقف الفلسطيني دعائمه الحقيقية في المواجهة.

صحيحٌ أن الفلسطينيين لم يذهبوا إلى المفاوضات في ظروف سويّة، ولكن أيضا يجب الانتباه إلى أن المفاوضات لا تكون رهينة فقط بميزان القوى المزامن لها لأنها حينذاك تفضي إلى حلول هشة متأرجحة تسقط بمجرد اهتزاز الموازين.. إنما تكون المفاوضات جادة وحقيقية عندما تأخذ بعين الاعتبار الحقوق الثابتة المهدَرة ويتم التفاوض من أجل أقل النتائج خسارة للأطراف المتفاوضة.

اكتشف أكثر الفلسطينيين والعرب تفاؤلاً بما يمكن ان تفضي اليه المفاوضات مع القيادات الصهيونية، أن تلك المفاوضات لم تكن إلا مماطلة من قبل الكيان الصهيوني وتضييعاً للوقت على الفلسطينيين وتصعيدا لوتيرة الاستيطان والجرائم العنصرية من حروب إبادة على غزة أو فظائع إجرامية ضد الآمنين في نابلس ورام الله وجنين واستباحة للمقدسات وتغيير المعالم في القدس.. من هنا تكون القيادة الصهيونية أوصلت الأمور في الوطن المحتل إلى نهاياته المنطقية.

صحيح أن الفلسطينيين خسروا أوقاتا ثمينة، وصحيح أنهم دفعوا ثمنا باهظا جراء التزامهم بالعملية السلمية، ولكن من حيث لا تشعر القيادة الصهيونية حلت خسائر فادحة بالمشروع الصهيوني ودور إسرائيل في المنطقة ومكانتها الدولية وسمعتها غير الأخلاقية وأصبحت محل تجاذبات، وهاهي تتعرّض لمقاطعات اقتصادية وأكاديمية متواصلة ومتصاعدة من قبل أصدقاء تاريخيين.

ما يحصل الآن في ميادين فلسطين في الخليل ونابلس والطيبة والناصرة ويافا وبئر السبع والقدس وعلى الجدار العازل من مواجهات بين المواطنين وقوات الاحتلال والمستوطنين وما ترتكبه عصابات المستوطنين في حق الآمنين يشير إلى ضرورة إعادة قراءة المسألة من جديد.. وبعد أن تأكد العالم كله بما فيه كثير من المراقبين الصهاينة والإعلاميين والسياسيين من أن الرسمية الفلسطينية حاولت بكل ما تستطيع الالتزام بالاتفاقيات والتمسّك بخيار المفاوضات والعمل السلمي. بعد هذا كله أصبح واضحا أن الإدارة الأمريكية لم تكافئ الفلسطينيين إلا بمحاولات تهميش القضية الفلسطينية بعد أن زرعت الفتن وفجرتها في المنطقة العربية.. وأصبح واضحا أن الكيان الصهيوني ليس في وارد تسوية تاريخية ولا مرحلية وهو لا يستطيع ذلك.. لذلك فهو يلجأ إلى التحريض المستمر على القيادة الفلسطينية والشحن العنصري ضد الشعب الفلسطيني بعدما تم تزويد المستوطنين بالسلاح.

إنه وقت الحقيقة.. إنه الوقت الذي يعبّر فيه الشباب الفلسطينيون عن رفضهم لما تقوم به قطعان المستوطنين ولاستمرار الاحتلال وتضييع الوقت على الشعب.. ويتقدم الشباب للتصدي لعمليات الاستيطان والجدار والانتهاكات المتواصلة للمسجد الأقصى.. وهو في ذلك يرسم معالم مرحلة قادمة بلا شك ستكون أكثر عنفوانا وقوة وإصرارا على الحق كاملا غير منقوص.. ولئن استفادت إسرائيل من الموقف الدولي سابقا، فإن الفلسطينيين اليوم لا يجدون أنفسهم وحدهم، بل هناك اصطفافات لقوى الخير والأحرار في العالم تقف بلا تردد معهم.. إنه وقت الحقيقة وهو فاصلة بين زمنين ولن يأتي بعد الآن إلا كل خير للشعب والقضية.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة