وقد علم الذين ظلموا..
أنا لن أحاول أن أتخيل، ليس ما قد يكون عليه الوضع غدا، أو حتى تصوير ما يحدث اليوم بعد 11 جمعة من مطالب التغيير والانتقال السلمي إلى جمهورية جديدة، ترفل في الرخاء وتنعم بنسائم حرية نسيتها وتطالب بالمزيد من الإصلاحات في هيكل الدولة والمجتمع، بل سأحاول أن أعرف كيف يعيش الآن من كانوا سببا في هذا كله: أقصد مركز القرار ومركز التنفيذ: الأول هو صاحب الجلالة والجلال والجاه والاسم الرئاسي الأعظم، الذي سبحت باسمه الأفواه وصلت له الألسنة وخضعت له الرقاب، وأطاعته القوى المخملية الخاملة المتمرغة في نعيم السلطة والملك، المتبردعة بكل أسمال الذل والهوان؟ أريد أن أتخيل لحظة، بعد جمعة أخرى من التنديد بمخلفات هؤلاء الرموز، وذلك الرئيس الذي ظل يحكم كإمبراطور، بل كإله، أستغفر الله.. لا يكلم أحدا إلا من وراء حجاب أو يرسل رسولا أو ينزل على عبده كتابا ليقرأه على الناس على مكث، حتى إن المقاربة والمعادلة لا يجب أن تقال في حق الاختلاف بين الليل والنهار، بين المشبه وغير المشبه، إنما المجموعة التي كانت تحكم كانت ترى في نفسها أنها لن تحاسب ولن تعاقب يوما، بل إنها كانت ترى في ذلك سابع المستحيلات، بل هي مصدر العذاب والجنة والنار.
أحاول أن أتصور الآن، دون أن أتخيل ما إذا كان الرئيس المخلوع ينظر، إن كان يقدر، إلى شاشات التلفزيون؟ أو ما يقال له، هذا إن كان يرى أو يسمع؟ أكيد أن من حوله الذين كانوا يعتلون العرش من حوله، وينطقون باسمه ويكتبون “وحيه” من القرارات ويعينون ويلغون ويمنعون ويملون ويمنحون، يقولون له أشياء منافية للواقع ومجافية للحقيقة. هل هم يمررون له في التلفاز، نشرات أخبار قديمة محينة بعناية لتبدو وكأن الحراك غير موجود أصلا أو كأنهم يهتفون باسمه ؟ أتصور أنه يعيش حالة أمنيزيا أو حالة تشبه حالة المجاهد الأعظم بورقيبة لما استحوذ على السلطة بن علي، وبقي بورقيبة يعتقد أنه لا يزال رئيسا مدى العمر؟ وإلا، ماذا كان سيكون لو عرف أنه كان يعيش حالة إنكار، ويتوهم أو يوهمونه أن هذا الشعب كله معه.. وأنه لم يوجد في الجزائر من يخلفه أو يخالف، لا من يغيب صورته من مخيلة الشعب المقدس له، العابد له، وهو “الكادر” فوق عباده؟
إنه ليأخذني الضحك وأنا أرى هذه الحشود اليومية تقريبا ولكن في الجمعات أكثر، تخرج كلها بصوت واحد منددة بـ20 سنة من الفساد والطغيان والشر المستطير. أين من كانوا يدافعون عنه من عبدة الكادر؟ لا أحد يتجرأ على قول كلمة جميلة في حق الرجل ومن كان معه من إخوته وأخوه الأكبر.. لا أحد يتجرأ ربما حتى مع نفسه أو يكيل المديح لمن كان سببا في خراب بلد بأكمله سياسيا واقتصاديا وتبعية لفرنسا في كل المجالات آخرها المجال التعليمي والتربوي.
لا أعتقد أن الرجل الذي لا أريد حتى أن أسميه، يعرف ما يحدث وإلا لما سمعنا أخباره بجلطة أخيرة لا تبقي ولا تذر.
اللهم لا شماتة في المرض ولا في الموت، ولكن هذا الشعب الذي مات منه الكثير وهجر منه الكثير وهمش منه الكثير وبهدل منه الكثير من طرف القبيل والتي ما زالت باقية، إنما هو يرى الآن قدرة الله في الانتقام لأربعين مليون جزائري خلال 20 سنة.