الرأي

وكان عرشهم على الـ(د)ـماء

حبيب راشدين
  • 2550
  • 0

القاسم المشترك اليوم بين الأنظمة الحاكمة في العالم الحديث، ليس ما يُسوّق على مدار الساعة من انجازات لها في الاقتصاد، والعلوم، والثقافة، وتحسين مستوى المعيشة للشعوب، لأن الجميع ـ وبنسب متفاوتة ـ في حالة إفلاس، أو هم على موعد قريب منه.

حسبك أن جميع الدول، المصنفة اليوم كدول متطورة، هي دول مفلِسة، قد تجاوزت المديونية فيها سقف المائة في المائة من دخلها القومي، وأحيانا ضعف ذلك، ولأنها دولٌ تمتلك في الغالب أكثر من 80 في المائة من ثروة العالم ، فإن ديون العالم تتجاوز اليوم قدرة أكثر من جيل على الوفاء بها.

القاسم المشترك بين حكّام العالم اليوم هو ذلك التطوير الهائل لوسائل صناعة الموت، تشترك فيها الدول وجيلٌ جديد من العصابات والحشاشين، تقاتل تحت رايات كاذبة أو مستأجَرة، ومن يُقتل اليوم في مختلف ساحات الحرب قد تجاوز المعدل اليومي للقتل في الحرب العالمية الأولى، ناهيك عن المنخنِقة، والنطيحة، والموقوذة، وما تأكله سباع البحر من النازحين، الفارين من الحروب، والبطالة، والمرض، والجوع.

هذه عروشٌ قد شيِّدت على الدماء، وبها تحيا، وعليها تموت، وبها تلقى الله، وهي في سلوكها اليومي لا تختلف عن شخصيات أفلام الرعب لمصاصي الدماء، وقد أصبحت الدماء عندهم عقارا مخدِّرا مثل الكوكايين والهيرويين، لا يمكن الإقلاع عنه، حتى أن كبار القوم اليوم لا يقبلون الذهاب إلى طاولات التفاوض ـ كما حصل في لقاء فيينا الأخير ـ  إلا بعد أن يكون عساكرُهم قد حققوا لهم الحد الأدنى المطلوب من القتل، ولك أن تتابع كيف كان الروس وحلفاؤهم يؤاخذون الأمريكان بالتقاعس عن ضرب الموصل، والرقة، والرمادي، ولا يؤاخذ الروس اليوم بأكثر من ذلك.

كبارُ المجرمين والقتلة في التاريخ: يوليوس قيصر، جنكيز خان، هولاكو، بونابارت، هتلر، ستالين، ترومان، وغيرهم، كانوا يقتلون الناس في حروب معلنة بين دول، بغاياتٍ توسّعية معلومة، وليس هذا حال ملوك وسلاطين وأمراء الحرب في العهد الجديد، لا تعلم لأي غاية يُقتل اليوم السوريون؟ ولمَ قُتل مئاتُ الألوف من العراقيين، والأفغان، والليبيين؟ وأي مكسب كان للقتلة في هذه الدول سوى تحويلها إلى خرابات وأطلال، ومفرخة لجيل جديد من اليائسين، هم من يتنقل اليوم بين سيرت، وسيناء، والرقة، وغوطة الشام، وكأن حروب نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، إنما شنت لهذه الغاية وحسب: تحويل البؤساء إلى وحوش ضارية، تنخرط في القتل الذاتي بلا هدف، أو إلى خراف يسوقها تجار العبيد الجدد إلى النزوح والهجرة، لإنقاذ أمم بيضاء مثلية، غير قادرة اليوم على الإنجاب؟

هذا هو العالم الحديث، وبهذه الدول المجرمة، والعروش المشيَّدة على الدماء، يعيّر بعضنا اليوم الضعفاء من الدول والشعوب، بأنها غير قادرة على الجلوس إلى طاولة القتلة، لأنها لا تملك تكنولوجيا قتل الآخر بدم بارد، أو لأنها لا تدرك أن مقعد العضوية الدائمة بمجلس الأمن المافيوزي قد حُسم لكبار المجرمين، وفق حصّة الواحد منهم من دماء ودموع الأبرياء في الحربين كما في الحروب الاستعمارية.

مقالات ذات صلة