الشروق العربي
صيحة الشروق

وهران: حاضنة البحر المتوسط

عمار يزلي
  • 262
  • 0

وهران البحر والبحر المتوسط وفن “الراي” والتاريخ الغائر في القدم.. وهران المدينة المفتوحة على كل المشارب والمنابت، هي المدينة التي يمكن أن نقول عنها أكثر تفتحا وانفتاحا على كل غريب دخل وعلى كل ضيف حل.

منذ نشأتها وتطورها، إلى أن أصبحت حاضرة صغيرة على الشاطئ المقابل للساحل الإسباني، تحولت وهران إلى مرفإ تجاري مع تجار الأندلس ثم إلى مركز اقتصادي وعسكري.. يقال إن “عبد المومن بن علي”، ساعد “صلاح الدين الأيوبي”، من وهران، بنحو 100 سفينة حربية ذات المدفعية المتعددة، كانت أخشابها تستقدم من إسبانيا الأندلسية.

الوجود الإسباني في وهران، سيكون له تأثير كبير على الثقافة والفن والأدب واللغة واللهجة الوهرانية، تماما مثل تأثير اللهجة التركية وعاداتهم وتقاليدهم وأطعمتهم وموسيقاهم وفنهم.

وهران، المفتوحة على الوافدين الجدد، لها امتداد أيضا في التواريخ، التي توالت أحداثها بعد زلزال وهران، سنة 1790م، الذي أرغم المدينة على التكيف من جديد مع المحيط القريب والبعيد: إعادة الإعمار، تطلبت استقدام الحرفيين والتجار والساكنة، بشكل عام، من كل المدن والأرياف المجاورة: من معسكر، غيليزان، بلعباس، تيارت، تلمسان، مستغانم، وصولا إلى المدن المغربية الحدودية: وجدة وحتى فاس ومكناس، إضافة إلى التجار اليهود.

هذه الفسيفساء من الأصول الجديدة لساكنة وهران، سيكون لها تأثير على التنوع اللغوي والثقافي والعادات والتقاليد والممارسات، التي حولت المدينة إلى مدينة متعددة الأصول والأعراق والثقافات، تضاف إلى تلك الثقافات واللغات الوافدة قبل الوجود التركي وما بعد، وإلى غاية الاحتلال الفرنسي: مدينة تشربت من كل الينابيع وشكلت هويتها وانفتاحها عبر الزمن. لهذا، فليس غريبا أن تكون أغنية “الراي”، التي نشأت في هذه المدينة، من تزاوج الأغنية العربية البدوية في محيطها القريب ومع المحيط المديني الحضري الفرنسي، داخل نواة مدينة وهران الكولونيالية، وتحولت بذاك الأغنية البدوية المعتمدة على القصبة والقلال وعلى القصيدة الملحونة الشعبية، إلى موسيقى إيقاعية تتماشى مع ساكنة المدينة المختلطين، حيث لم تعد القصيدة هي مصدر فنها، بل إلى الإيقاع وكلمات محلية مرتجلة. هذا، ما أوصل إلى ما سمي في ما بعد بـ “الراي العروبي”. هذا الفن، الذي سيتطور في ما بعد، بعد دخول آلات نفخية وإيقاعية، منها الساكسفون على يد “بلّمّو” بداية السبعينيات، ليتحول “الراي” إلى أغنية شعبية هامشية، تعبر عن ثقافة بسطاء الساكنة المهمشين اجتماعيا واقتصاديا.

كان هذا إلى حين.. عندما قررت وزارة الثقافة، سنة 1984، أن تنظم أول مهرجان للراي بوهران، محاولة منها وقتئد لـ “الحفاظ” على هذا المورث الثقافي الفني للمدنية ونواحيها، و”إنقاذ ما يمكن إنقاذه”، كما جاء في نص المشروع التمهيدي لطلب ميزانية تنظيم أول مهرجان للراي، بغرض إخراج هذا الفن من الأقبية باتجاه أرحب: القنوات التلفزيونية والإذاعات والمهرجانات.. ومنه كانت البداية الأولى إلى العالمية.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!