ياسر عرفات يطارد قاتليه
أهون ألف مرة أن تدخلوا الفيل في ثقب إبرة.. أهون ألف مرة أن تصيدوا السمك في المجرة.. أهون ألف ألف مرة.. أهون ألف مرة أن تطفئوا الشمس.. أهون ألف مرة أن تحبسوا الرياح.. أهون ألف مرة أن تشربوا البحر وأن تنطقوا التمساح.. أهون ألف ألف مرة أن تبيدوا باضطهادكم وميض فكرة وأن تحرفونا عن طريقنا الذي أخترناه قيد شعرة..
هذه كلمات أغنية لفرقة الطريق اليمنية أدتها في عام 1983 في حضرة زعيم فلسطين المرحوم ياسر عرفات ضمن مجموعة من اغنياتها لصبرا وشاتيلا.. فلم يجد القائد الفلسطيني الكبير الا ان يقف ويصفق لها بحرارة وكأنها كانت تقرأ أفكاره وهو الخارج من حرب بيروت التي استمرت ثلاثة اشهر استخدمت فيها اسرائيل ثلثي جيشها بكل الأسلحة الجوية والبرية والبحرية.
وظلت هذه الكلمات حاضرة في وجدان كل من سمعها ورأى كيف واصل الفلسطينيون بقيادة عرفات طريقهم انتفاضة وسلطة ومقاومة وحربا لا هوادة فيها.
وفي كامبديفد عندما وجد ابوعمار ان الأمريكان قد صمموا على انتزاع توقيع منه على القضية، ووجد ان حكام العرب تركوه وحيدا في معركتهم جميعا.. حينها كما قال دنيس روس المبعوث الأمريكي للشرق الاوسط :(كان عرفات هو الأزمة لكل الوفود: الفلسطيني والاسرائيلي والأمريكي.. لقد كان وحيدا)، ادرك عرفات ان المشهد يحتاج خاتمة فقال للرئيس الامريكي: انا اعرف انني ضعيف، ولكني لن اتنازل عن القدس وعودة اللاجئين، وانا اعرف قوتكم، لذلك فإنه أهون علي ان ادعوك الى السير في جنازتي.
كنت حانقا متألما مما حصل للفلسطينيين وقبولهم اتفاقية اوسلو، اذ كيف تختصر فلسطين الى 20 بالمئة منها.. زرته في مقره بتونس فراجعني حول موقفي من اوسلو.. قلت له هذا باطل.. انت اكرهت عليه أما انا فلست مضطرا لقبوله.. وبعد كلمات في حضرته قال لي: اسمع، المشروع الصهيوني كله سينهار عندما نأخذ شبرا واحدا من فلسطين ونقيم عليه كياننا السياسي.. لحظتها كنت ارى صدقا في الزعيم وعزيمة وصفاء فبكيت فرحا بين يديه وكنت بعدها جاهزا ان اكون جنديه لأي مهمة ينتدبني اليها.
عرفات دخل الوطن وهناك في مؤتمر المجلس الوطني 1996 في ابريل بغزة قال: “اننا لسنا مخدوعين بأوسلو ولم نتصور انه منحنا حقنا ولكن المهم اننا عدنا بآلاف الفلسطينيين الى وطنهم. وبالنسبة لي جئت ابحث عن قبر في فلسطين”.
كما قال الصالحون في أمتنا: الأمور بخواتيمها.. ادرك الأمريكان ان الزعيم كان يناور في السياسة والدبلوماسية، ولكنه كان يحتفظ بقلب صلاح الدين الأيوبي في صدره حسب وصف وزير الخارجية الاسرائيلي يومذاك شلومو بن عامي.. حاصروه في رام الله ودمروا عليه المقاطعة ولم يبق الا مكتبه.. فحمل مسدسه واقسم انهم لن يفوزوا باعتقاله وقالها: شهيدا شهيدا.
بقي في عرينه حتى دسوا له السم.. لم يبدل ولم يوقع.. وها هو بعد ان قتلوه يطاردهم، فهو اكثر الحقائق الفلسطينية حضورا وهو سيكشفهم جميعا وسيجد كل من في فمه ماء فرصة للكلام.