الرأي

يا أمتي…!

عبد الرزاق قسوم
  • 3317
  • 10

أخطأكِ – في فصل الشتاء – الغيث والسيل، ووقفتِ – بين أمم الدنيا – من سلم التنمية في الميل الأوّل من الألف ميل، فطفا الكيل، واسودّ الليل، وعمّ الهول والويل.

ويح أمتي التي صارت تغتال الربيع الوديع، فتستأصل ورود الفجر، وتقضي على أزهار الأصيل البديع! ما بالها تأبى إلا أن تعود إلى عصر الشتاء الوضيع، عصر القرّ والصقيع؟ فنراها تطارد أنصار النهوض والتنمية، وتمكِّن لدعاة الاغتيالات والتصفية؟.

عجيب – والله – أمر أمتنا! حار الأطباء في تشخيص دائها، وعجز الحكماء عن وصف دوائها، فهي المتمرّدة عن حكم ربّها الذي يأمر بالعدل، وهي الظالمة، وعن قوانين حقوق الإنسان،  وهي الجائرة، فكيف يُرجى الخلاص لأمّة تتأبى عن دينها، وتتنكر لقوانينها؟.

إنّنا ندير الطرف يمنة ويسرة في خارطة وطننا العربي، وأمّتنا الإسلامية فلا نرى إلا قتلا وسحلا، هناك، وظلمًا وعسفا هنا وهناك. دماء في الوادي، وهدم في الزبادي، وتفجير في بغداد، وغموض في تونس، وفي ليبيا، وفي بلادي لأنّه لَمِمَّا يفرح الأعادي، ويحقق مخططات الأوغاد.

أليس في أمتنا حاكم رشيد؟ ألم يعد فيها حكيم ذو عقل سديد، وهي التي أنجبت عمرَ بن الخطاب، وخالدًا بن الوليد؟ ألم يبق في أمتنا عقلاء يتنادون من أجل نصرة الحقّ، وإشاعة العدل، وإغاثة المظلومين، وإقامة الإباء والإخاء بين الإخوة الأشقاء، والمواطنين الشرفاء؟

بحّت أصواتنا من تلاوة القرآن لهداية الحكام والمحكومين، فما زادهم ذلك إلا طغيانًا، وفسادًا. وبلوناهم بمنطق العقل أن تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، هي أن نحتكم إلى ثوابت الوطن، في فصل النزاعات بيننا، وهي الوحدة الوطنية المقدّسة، واللغة الوطنية الموحّدة، والعقيدة الدينية المطهّرة، فتصامموا عن سماع ذلك واضعين أصابعهم في آذانهم، فكيف تكون النجاة؟ وأين يكمن الخلاص مما نحن فيه؟.

أريد عاقلاً، يقنعني، فيفسّر لي أسباب التأزّم في تونس الشقيقة، وهم جميعًا قد توحّدوا حول ثورة الياسمين، التي طردت الاستبداد، والفساد، ورفعت شعار الحريّة، والعدل في البلاد، فعلام الانقسام إلا إذا كانت هناك عوامل المصلحة الذاتية التي تحكمها أطماع شخصية أو مصالح خارجية تُدار بعمالة داخلية؟ وفي كلتا الحالتين أين الشعار الذي يرفعونه “لا ولاء إلا لتونس!”؟.

وتعالوا معي إلى ما يحدث في ليبيا الجريحة هذا البلد الشقيق الذي انتفض للتغيير نحو الأفضل بالقضاء على الدكتاتورية، وتحقيق العدالة والحريّة. من منكم يشرح لي ما يحدث هناك؟ هذه العصابات المسلّحة التي تسرح وتمرح في أجواء ليبيا، فتعيث فسادًا فيها؛ بالاختطاف، والقتل، والتفجير، والتدمير، والتهديد بتقسيم البلاد، وتشريد العباد؟.

لقد حيّرنا – والله – أمر ليبيا الشقيقة التي عهدناها، واحة الشعب الطيّب، المتميّز بدماثة الخلق، وسماحة العطاء، وكرم السخاء، وطيبة الإخاء، فما بال الشواذ من أبنائه، يفسدون عليه صورته الطيّبة ويقدّمون للعالم أجمع وجهًا قبيحا هو بريء منه؟

فإذا ذهبنا إلى بلاد وادي النيل – مصر العزيزة – التي قال فيها ربّ العزّة “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين” فأين الأمن في هذا البلد الشقيق، الذي يُغتال فيه الأبرياء، ولا ذنب لهم إلا أن طالبوا بالاستقرار، وإعادة الحكم لأهل الدار، الذين انتخبوا بكلّ حريّة واختيار؟

لقد عرفنا مصر الأزهر، وجامعة القاهرة والأهرامات، بلد الثقافة الأصيلة، وقيم الفضيلة، بلد الحكماء، والأدباء والعقلاء، ما بالها، تستدعي القاعدة، فتنزع الحكم من الأصلاء، وتمنحه للأقوياء الدخلاء؟

إنّه لا منطق بحكم هذا الذي يحدث هنا وهناك إلا المصالح الذاتية، وتحقيق المؤامرات الإسرائيلية، الحاقدة على مصر حامية العروبة، وحاضنة الإسلام والمسيحية.

ويمكن مدّ الخطى قليلا نحو الشام، ونحو العراق والصومال وغيرها، فلا نجد إلا حكامًا استبدّوا بالشعب أطول مدّة فهم بسبب ما يحدث من تدمير وتفجير وتقتيل، وتنكيل… والحال أنّ الحلّ سهل جدًا، ويكمن في التنازل عن أنانية الحكام وإعطاء الكلمة للشعوب، وتطبيق الشعار المظلوم، التداول على السلطة.

فيا أمتي! إنّ المخاض العسير الذي نعانينه لا يمكن التنبؤ بنتائجه الخصيبة إلا بالعودة إلى الجامع المشترك الأعظم، وهو الدين في أسمى قدسيته والوطنية في أعلى مبادئها، واللغة في أنبل معطياتها الثقافية والحضارية.

 

فمتى تحققين يا أمتي حلم المخلصين من أبنائك، وتقوضين مخططات الحاقدين من أعدائك؟!

مقالات ذات صلة