جواهر

يتعهدن بالتخلي عن الأنوثة ويعشن كالرجال.. هذه قصة “العذراوات المحلّفَات”!

جواهر الشروق
  • 3240
  • 0
بي بي سي
إحدى العذراوات المحلفات

سلّط تقرير نشرته شبكة بي بي سي، الضوء على قصة “العذراوات المحلفات” اللواتي يتعهدن بالتخلي عن الأنوثة ويعشن كالرجال.

وجاء في التقرير الذي هزّ الشبكات أن أولئك العذراوات لم يتبق منهن إلا القليل في العالم، لأن ذلك التقليد القديم الذي كان معروفا في ألبانيا وعموم البلقان ويسمح للنساء بالعيش كالرجال للتمتع بالحرية، شرط أن يتعهدن بالتخلي عن كامل المظاهر الأنثوية والابتعاد التام عن الحياة الجنسية، أصبح اليوم في طريقه السريع إلى الاندثار.

ورغم عدم وجود أرقام دقيقة، تشير التقديرات إلى أن عدد العذراوات المحلفات في شمالي ألبانيا تراجع كثيرا، وربما لا يوجد اليوم أكثر من 12 منهن. وقد شهدت ألبانيا منذ سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، تغيرات مجتمعية كبيرة أتاحت للنساء المزيد من الحقوق.

وساق التقرير قصة امرأة تدعى جيستينا غريشاي، وهي من العذراوات المحلفات، تعيش في منطقة جبلية شمالي ألبانيا، وقد اتخذت القرار بالتخلي عن الأنوثة عندما كان عمرها 23 عاما، وأقسمت نذر العزوبية والعفاف.

تقول جيستينا غريشاي، عن القرار الذي قلب حياتها رأسا على عقب: “كانت ألبانيا عالما للرجال، والطريقة الوحيدة للصمود والنجاة فيه هي أن تصبحي أحد هؤلاء الرجال”.

ويطلق على العذارى المحلفات اسم “بورنيشا”، وهذه الممارسة عمرها عدة قرون، حيث تقسم فيها النساء أمام مجلس من كبار السن في القرية، بالعيش طوال حياتهن كالرجال.

وتقول جيستينا، التي أصبح عمرها اليوم 57 عاما، “هناك الكثير من النساء غير المتزوجات في العالم، لكنهن لسن عذارى محلفات. البورنيشا تكرس نفسها لعائلتها فقط، وللعمل، وتتعهد بأن تعيش محافطة على عفتها”.

بالنسبة للعديد من النساء اللواتي عشن في أزمنة سابقة في البلقان، كان التخلي عن هوياتهن الجنسية والاجتماعية وفرصهن في الإنجاب، وسيلة للتمتع بالحريات التي لا يمكن أن يعيشها سوى الرجال.

فالعذراء المحلفة يسمح لها بارتداء ملابس الرجال، والتصرف كزعيمة للعائلة، والتواجد بحرية في كافة المواقف الاجتماعية، وممارسة عمل محصور تقليديا على الرجال.

من جانبها تقول فاليريانا غريشاج ابنة أخ جيستينا: “الفتيات اليوم لا يفكرن مجرد تفكير بأن يصبحن عذارى محلفات. وأنا مثال حقيقي على ذلك.”

وترى أن تلاشي تقليد “بورنيشا” أمر إيجابي. وتقول “ليس علينا نحن الفتيات أن نكافح اليوم لنصبح رجالا، بل علينا أن نناضل من أجل المساواة في الحقوق، ولكن ليس من خلال أن نصبح رجالا”.

تقدم غير كاف

ولفت التقرير إلى أنه في العام 2019، قامت الناشطة في مجال حقوق المرأة ريا نيبرافيشتا بالاحتجاج على تقليد العذروات المحلفات خلال فعاليات اليوم العالمي للمرأة في تيرانا.

وخرجت ريا إلى الشارع وهي تحمل لافتة كبيرة كتبت عليها كلمة “بورنيشا” ورسمت فوقها علامة الإلغاء أي “حرف إكس” بخط أحمر عريض، وكتبت تحتها عبارة “نساء قويات”.

وتقول ريا: “في اللغة الألبانية، نستخدم مصطلح ‘بورنيشا’ عندما نريد وصف امرأة بأنها قوية”.

وتوضح أن “الكلمة مكونة من جزأين، والجزء الأول ‘بوري’ هو كلمة تعني الرجل … يجب أن لا نشير إلى الرجال لنصف قوة المرأة”.

وتعتقد ريا أن البلاد تسير على طريق الانفتاح، وقد اتخذت “العديد من الخطوات إلى الأمام خلال فترة قصيرة من الزمن”.

ووفقا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، شهدت مشاركة النساء في صنع القرار السياسي والاقتصادي في ألبانيا تقدما في الفترة الأخيرة بفضل التحسينات التي طرأت على القوانين وإجراءات العمليات الانتخابية، حتى وإن كانت لا تزال محدودة، ورغم أن فجوة الأجور بين الجنسين لم تتم معاجلتها بشكل صحيح.

وفي عام 2017 ، شكلت النساء 23 في المئة من أعضاء البرلمان، و35 في المئة من أعضاء المجالس المحلية.

لكن لا يزال الدرب طويلا بالنسبة لأوضاع حقوق النساء.

“وتقول ريا “لا يزال التحيز، والتنميط القائم على الجنس… والعنف القائم على النوع الاجتماعي أمورا منتشرة للأسف على نطاق واسع في ألبانيا”.

وتشير البيانات الواردة من هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن ما يقرب من 60 في المئة من النساء الألبانيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاما يتعرضن للعنف المنزلي. كما تكشف قاعدة بيانات هيئات المعاهدات التابعة للأمم المتحدة أن ثمانية في المئة فقط من النساء يمتلكن الأرض، وأن النساء يجري تهميشهن في قضايا الميراث.

جذور تقليد بورنيشا

تعود جذور تقليد “بورنيشا” إلى ما يسمى محليا “قانون”، وهو دستور قديم كان سائدا في كوسوفو وشمالي ألبانيا في القرن الخامس عشر، وهو يشكل الأساس الذي نظم عليه المجتمع الألباني. وبموجب هذا القانون الأبوي الذكوري، كانت النساء تعتبر ملكا لأزواجهن.

وتقول أفرديتا أونوزي، عالمة الإثنوغرافيا التي درست تقليد “بورنيشا” إن النساء “لم يكن لديهن الحق في تقرير مصيرهن، أو اختيار حياتهن الخاصة”.

وتضيف “عندما تُخطب الفتاة، كان القرار يتخذ من دون سؤالها عن رأيها. لا بخصوص السن الذي تُخطب به، ولا الشخص الذي سترتبط به”.

ولا تزال في ألبانيا العديد من المفاهيم الخاطئة التي تدور حول التقاليد. كما أن اتخاذ قرار التعهد بالعذرية لا يتعلق نهائيا بالميول الجنسية أو بالهوية الجنسية، وإنما بالوضع الاجتماعي الخاص الذي يمنحه للواتي أقسمن اليمين.

وتقول أفرديتا “اختيار الفتاة أن تصبح عذراء محلفة ليس له علاقة بالجنس، إنه ببساطة اختيارها بأن يكون لها دور آخر، موقع آخر في الأسرة”.

كما يعتبر اختيار العذرية المحلفة أيضا وسيلة للتهرب من زواج، من دون الإساءة لعائلة العريس.

وتقول أفيرديتا “كان هذا القرار يعني أنه يمكن تجنب نشوب صراع دموي بين عائلتين”، عائلة الفتاة وعائلة العريس في حال رفض طلب الزواج.

وقد تم تقنين القواعد التي تحكم الثأر في “قانون” الذي يمثل الأعراف المحلية، ما ساعد على تنظيم حياة القبائل في شمالي ألبانيا، لا سيما حينما كانت جزءا من الدولة العثمانية.

وبموجب أعراف “قانون”، كان الثأر واجبا للحفاظ على الشرف. ويمكن أن يتم بأفعال صغيرة مثل التهديد أو الإهانة، لكنه قد يتصاعد أحيانا إلى القتل، وبعد ذلك يُتوقع من عائلة القتيل الرد بقتل القاتل نفسه، أو رجل آخر من عائلته.

وبالنسبة للعديد من الفتيات بتلك الفترة كان قسم العذرية طريقة لإعفاء عائلاتهن من الثأر في حال رفضن طلب زواج.

وتقول أفرديتا “لقد كان بالنسبة لهن وسيلة للهرب”.

تضحية من أجل الحرية والاحترام

تطور التقليد بمرور الوقت، وتحول من قرار قسري إلى اختيار. وتقول أفرديتا “من المهم جدا ملاحظة الفرق بين العذرية المحلفة التقليدية، بالمعنى الإثنوغرافي، وبينها اليوم … اليوم هي قرار شخصي تماما”.

لم تُجبر جيستينا على أن تصبح عذراء محلفة، بل اختارت حياتها بنفسها. فقد شعرت الفتاة التي نشأت خلال الحقبة الشيوعية في ألبانيا، أن الرجال كانوا يتمتعون آنذاك بقدر أكبر بكثير من الحرية.

وهي تقول “كان هناك الكثير من المعاملة غير المتكافئة، كانت النساء معزولات للغاية، وكان عملهن يقتصر على الواجبات المنزلية وليس لهن الحق في الكلام”.

ولم توافق عائلة جيستينا، وخاصة والدتها، على اختيارها، انطلاقا من أنها بذلك تضحي بفرصتها في الأمومة وتكوين عائلة.

لكن بالنسبة لجيستينا كانت التضحية مستحقة ومجزية.

وتقول “عندما قررت أن أصبح بورنيشا، اكتسبت مزيدا من الاحترام”.

لكن بالنسبة لأخريات، كان قرار أن يصبحن عذراوات محلفات نابعا من إحساسهن بأنهن أقرب للرجال من أنوثة النساء.

مقالات ذات صلة