الرأي

يسار.. إلى اليمين.. دُرْ!

عمار يزلي
  • 2244
  • 0

تعرف فرنسا هذه الأيام حمى تجاذبات انتخابية على كرسي الإليزي، لم يُعرف لها مثيلٌ من حيث انحطاط مستوى “الأخلاق الكاثوليكية” السياسية قياسا بـ”الأخلاق البروتستانتية” عند الانجليز كما يراها ماكس فيبر في كتابه المعروف بنفس العنوان.

خطاب التناطح على برامج متقاربة، بين صغار النطاح والعجفاوات، لم يجد بينهم كبار “الأقارن” قرنا تـنطح ولا فماً ينبح، من غير موقف آخر مسني الديغوليين ليمين الوسط “ألين جوبي” الذي كان آخر أكبر متحيز له “بايرو” قبل رد “جوبي” جوابه اللاذع ضد مهزلة هذه الانتخابات التي لم يسبق لها مثيلٌ في الانحطاط الأخلاقي والمقامرة غير الشريفة لجميع الشركاء من المال إلى السياسة إلى الإعلام.. كان جواب جوبي صارخا رغم هدوئه، وكان رفضه للمشاركة في هذه “المهزلة” مؤشرا على أن فرنسا لم تعد السياسة تحكمها أدنى معايير الأخلاق، فلقد انقسم الحزب الاشتراكي على نفسه كما انقسم الاتحاد السوفياتي سابقا، ولم يعد الآن “مرشحه” الذي لم يشكل الإجماع هامون، هاما ولا مهما خاصة بعد مؤشر سقوطه ما دون 10 في المائة (8 في المائة حسب آخر التوقعات)، فيما ترتفع بورصة الثلاثة البقية مما يجعل حسابات الانتخابات على المبدأ أمرا صعبا، بل وأن النتيجة قد تحسم بين اليمين والييمن الوسط بغلبة “مرغم أخاك لا بطل”!

ما ساد هذه الانتخابات منذ البداية من “قلة الحياء” والتنطع، لدى بعض المترشحين ممن مسَّتهم أنفلوانزا “الفساد” والغَرْف من المال العمومي لفائدة الأبناء والأزواج والأصحاب، وعدم الاكتراث حتى بالمثول أمام المحاكم لم يكن معتادا هذا في فرنسا، وهذا ما جعل كثيرا من كبار السياسية يعزفون عن الدخول في هذه المعارك “القذرة” التي يموِّلها المال ووساخة اليمين المتطرِّف وعنجهية اليمين الوسط وصلافة الصحافة.. “التموانياج كرييتان” كانت أكبر النشريات التي تحدثت عن زوال الأخلاق من هذه الحملة لأوَّل مرَّة في تاريخ فرنسا وتُنذر بأن شيئا قد تغيَّر في فرنسا وفي الفرنسيين وأن المال صار هو الكل في الكل، حتى في أمريكا ترامب!

الحال عندنا ليس بالأحسن، لأن الوباء كالوفاء، لا فرق بينهما سوف حرف واحد. 

نمت، لأجد نفسي وكأن التشريعيات عندنا تجري في فرنسا: الشكارة تقطع الطريق، والوعود تكاد تقول للجميع إن أبواب الجنة بين أيدينا، دينيا أو ماديا، فلكل مفاتيح عدل في جيبه معهم، عدل 3.. الفرنسيون بالمقابل يقومون بحملتهم الرئاسية هنا والشعب هنا يتابع ما يحدث “لهيه”، و”لهيه” لا يأبهون لما يحدث لا هنا ولا هناك! يتابعون “داعش” والغبراء في الموصل ودابق ويتخوفون من انتقال عدم الاستقرار إلى المربع الأخضر في أوروبا الخضراء. أما هنا، فالشعب لا يأبه لا بـ”جان” ولا بـ”خدوجة”، لا ينظر ولا يحسب إلا كيف سيحصل على صفقة أو مال، سريعا كان أو ثقيلا، كثيرا كان أم قليلا، أو مصلحة فردية أو نقصا في إعصار أسعار تلتهب كل يوم، أو قدرا إلهيا يخرجه من وطأة الزمان وخذلان الأكتاف والمعارف.

حيث أفقت، كانت زوجتي تقشر لنا، حبة بطاطا اشتريتها بـ10 دينار (للحبة الواحدة!).. أكيد أن هناك من يريد أن يجعل منا “معجون بطاطا”.. “بيري” وهو ليس بريئا!

مقالات ذات صلة