الرأي

يسرٌ… بعد العسر

عمار يزلي
  • 1324
  • 0

الاهتزازات المتكررة في كثير من القطاعات التجارية عندنا، والتي عرفتها البلاد منذ سنتين تقريبا، خاصة سنة 2020، هي اهتزازاتٌ ارتدادية، مردّها عدة عوامل خارج عامل التأثير الصحي الناجم عن الإغلاق وتقليص حجم الواردات والترشيد في الإنفاق وضبط الفوترة في التعاملات الخارجية.

أهمُّ عامل مؤثر في هذه الإرتدادات الاهتزازية التي تسببت في اضطراب التمويل والإنتاج والتوزيع وأثرت سلبا على القدرة الشرائية للمواطن الذي يتوق لتحسين حياته الاجتماعية، هي تأثيراتٌ جانبية لخلخلة النظام السابق في المعاملات التجارية وفي الإنتاج والتوزيع. هذا ما تعمل لأجل تفاديه الحكومة عبر عدة آليات كان آخرها قرار رئيس الجمهورية في مجلس الوزراء الأخير تجميد الضرائب والرسوم على بعض المنتجات والمستورَدات ذات الصلة الوثيقة بالاستهلاك الواسع، وضمان المضيِّ في رقمنة القطاعات وضبط سوق الإلكترونيات للضرورة الاقتصادية والعلمية.

الإصلاح الجذري يكلف أحيانا أعباء غير متوقعة على الدولة وعلى المواطن البسيط، لكنه سيشعر لاحقا بأنّ بعد العسر… يسرا، فكل تغيير جذري في قواعد التعامل، يتسبب في زلزلة الوضع القائم، هذا إضافة إلى رد الفعل للمتضررين من هذا الإصلاح والذي كانوا لعقود يتحكمون في قوت الناس ويستغنون على حساب تفقير الغالبية. هذه الخلخلة في المنظمة التجارية والاقتصادية ككل بسب مغامرة التغيير الهيكلي، أنتجت حتما ردَّ فعل متوقع وردود فعل أخرى متوقعة، لكن ليس بنفس الحجم ولا الدرجة، ومنها قوة المضاربة والمضاربين والجشع والدأب على الممارسات السابقة. إعادة بناء بناية مهددة بالانهيار، يقتضي عملا طويلا ومضبوطا ومتأنِّيا حتى لا تنهار البناية كلية فوق رؤوس ساكنيها، وهذا بفعل السياسة الاجتماعية والدعم الذي تخصِّصه الدولة لتقليص العبء عن المواطن عبر امتصاص هامش الزيادة في أسعار المواد المستورَدة المصنّعة أو نصف المصنعة أو حتى المواد الأولية. ساكنة العمارة الهشة، سيشعرون بالضرر حتما، وسيتضايقون، لكن لا حل غير الترميم بدل الهدم.

من شأن هذا، أن نتوقع استمرار بعض الاضطرابات في التموين من حين لآخر في التسويق وفي الندرة أحيانا، ولكن هذا ليس مردّه ندرة الإنتاج بقدر ما هي ندرة الإرادة العامة، خاصة لدى المتعاملين في تغيير ذهنية التعامل وأيضا تغيير المواطن ذهنيته كمستهلك، فليس من المعقول أن نطالب بإيجاد كل السلع غير الموسمية بسعرها الموسمي، وليس ضروريا أن نستهلك ما تعوّدنا أن نستهلكه في وقت معيَّن وكـأنه نمط استهلاك أبدي دائم سنوي.

سنرى هذا في رمضان، ككل سنة: الكل يريد أن يأكل في رمضان ويشتري ما كان يشتريه قبل خمس أو ست سنوات: سواء من حيث الجودة أو من حيث الموجود.

استقرار السوق ورخاؤُه يتطلّب وقتا لوفرة الإنتاج أوَّلا وفي كل الجهات، وتوفير التخزين والتبريد وتطوير شبكة النقل البري والبحري وبالسكك الحديدية وحتى الطيران التجاري الداخلي، فضلا عن التجارة الخارجية..

كل هذا يتطلب صبرا جميلا.. مع معاناة انتظار زوال ضرر الجائحة العالمية التي قلَّبت كل موازين التجارة والاستهلاك والإنتاج ورفعت أسهم النقل البحري والشَّحن أربعة أضعاف، وأفقرت المؤسسات الهشة وحتى الكبيرة وأفلست الكثير منها وأثْرت وأغنت حفنة من تجار وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي على حساب إفقار الكتل الشعبية بفعل التضخُّم والغلاء الذي مس كل القطاعات عالميا وفي كل الدول من دون استثناء.

مقالات ذات صلة