الرأي

يفتون بحُرمة “الحرقة” دون الظلم!

بعد صوم طويل، أفطرت لجنة الإفتاء بالمجلس الإسلامي الأعلى على فتوى تحريم “الحرقة”، واعتبار “مقترفيها” آثمين. وبغضّ النظر عن الرصيد العلمي لأصحاب هذه الفتوى وسبب إطلاقها ونيّة أهلها، فإن دار الإفتاء التي تحدّثت عنها السلطة منذ قرابة ربع قرن، من دون تجسيدها تبدو من خلال هذه اللجنة التي تصوم “عيدا” وتُفطر في “رمضان”، أن بقاءها في العدم أحسن من وجودها، خاصة إذا سارت على طريق ديار الفتوى المنتشرة في مصر، عندما تحوّل كبيرُها الدكتور علي جمعة إلى نجم “شبّاك” يطلُّ على الفضائيات، ليُسلّي المشاهدين تماما كما يفعل محمد هنيدي ومحمد سعد، أو المنتشرة في الخليج العربي، التي تفتي بالجهاد في الشيشان والغوطة، ثم تلعن “المجاهدين”، على وزن من ينحت صنما من تمر ليعبده صباحا، ثم يلتهمه إذا اعتصره الجوع ليلا.

لا أحد يفهم كيف لمواطن جزائري أن يراسل شيخا سلفيا في آخر الدنيا، ليفتيه في قضية خاصة بينه وبين زوجته؟ ولا أحد يفهم كيف تمكّن من لا علم لهم، من جرّ شبان جزائريين إلى حروب باسم “الجهاد” في أفغانستان واليمن؟ ومع ذلك يبقى السؤال عن غياب هذه اللجان المحلية، التي تذكّرت بعد “خراب” مالطا ووهران وعنابة، أن سواحلنا اجتاحها “الآثمون” الذين صنعوا فُلكا وأبحروا من دون عنوان، بحثا عن هواء افتقدوه في بلادهم، كما يقولون، أو ربما حُرموا منه عنوة كما يظهر في أفعال بعض المسؤولين، الذين تمكَّنوا بعبقرية خارقة من “تخدير” مواطنين ومواطنات، وجرّهم من دون أن يدروا في الدجى إلى أعماق البحار، طلبا للهجرة غير الشرعية.

لا نظن أن الذي أطلق هذه الفتوى، قرأ السيرة الذاتية للكثير من “الحراقة”، فمنهم جامعيون ومنهم من أدى مناسك العمرة ومنهم حتى من تجاوز سن الستين. وإذا كنا لا نناقش حرمة الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، فإننا لا نناقش أيضا حُرمة من يُلقي بالناس إلى التهلكة، وسيكون من غير العدل أن نكتفي بتجريم سارق تمرة، ولا نلتفت إلى من سرق واحة نخيل.

فتوى تحريم “الحرقة” جاءت متأخرة جدا، بعد أن صار للحرقة “شعبٌ ودولة قائمة بذاتها” في مختلف المدن الأوروبية، وبعد أن شبع البحر جثثا، وذرفت الأمهات أنهارا من الدموع، وإذا كنا سننتظر كل هذه السنوات وكل هذه الصور المأساوية، من أجل أن يُطلق أعضاء لجنة الإفتاء الذين يتقاضون شهريا مرتباتهم فتواهم، فالأحسن أن تبقى على صومها، حتى ولو حان موعد الإفطار!

تمنينا لو رافقت هذه اللجنة تجاوزات موزعي السكن الاجتماعي التي زرعت الإحباط في قلوب الشباب فنبَّهتها بفتواها، وأوقفت نزيف الظلم بكلمة حق، في عمليات التوظيف، التي دأبت على منح الوظيفة لمن لا يستحق، وأقحمت “ورعها وتقواها”، في ترشيحات “الأميين” وأهل “الشكارة” للمناصب العليا في البلاد، حتى لا تقع في المعادلة الفقهية “أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار”!

مقالات ذات صلة