يوم الحياء والوقوف عند أبواب السّماء
بعد شروق شمس يوم عرفة، ينطلق حجيج بيت الله الحرام من “منى” متّجهين إلى “صعيد عرفات”، في مشهد مهيب يذكّر القلوب بخروج النّاس من قبورهم ليوم الحشر.. ثمّ يكون وقوفهم على الصعيد الطّاهر في مشهد يذكّر صاحب كلّ قلب حيّ بيوم القيامة.. النّاس هناك على صعيد واحد لا فرق بين غنيّ وفقير ولا بين ذكر وأنثى، الكلّ يرجو عفو الله. كلّ حاج يرجو أن يكون ممّن يباهي الله بهم ملائكته ويحظى بقول مولاه عنه: “اشهدوا يا ملائكتي أنّي قد غفرت لعبدي فلان”.
مشهد عرفة، يذكّر من تأمّل وتدبّر بيوم قادم يعيش بنو آدم جميعا أهواله وشدّته؛ يوم مقداره 50 ألف سنة، ينبغي لكلّ عبد حريص على نجاته أن يسأل نفسه عنه: ماذا أعددت له؟ ماذا أعددت لأكون ممّن يظلّهم الله في ظلّ عرشه يومئذ؟ ماذا أعددت لأكون ممّن تشملهم شفاعة النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- في آخره؟
يوم عرفة، يوم عظيم للحجاج، وهو كذلك يوم مشهود لغير الحجّاج.. وإذا كان من صامه محتسبا الأجر عند الله يغفر الله له ذنوب سنتين؛ فكيف بمن يعيش ساعاته بقلبه وروحه؟ كيف بمن يعيش لحظاته وقلبه معلّق بالسّماء أن يغفر الله له ويعفو عنه ويعتق رقبته؟ كيف بمن يجمع فيه حاجاته وأمنياته ليعرضها على ربّه الكريم؟ قال الإمام الأوزاعي –رحمه الله-: “أدركت أقواماً كانوا يخبئون الحاجات ليوم عرفة ليسألوا الله بها”.
إنّ أعظم كرامة يتوّج بها العبد في هذه الأيام المباركة، هي أن ينظر إليه مولاه يوم عرفة نظرة رحمة، فيشهد ملائكته بأنّه قد غفر له، وأجاب دعواته، وبلّغه مناه.. يُروى أنّ العبد الصالح حاتما الأصم قال لأولاده في أحد الأعوام: إني أريد الحج هذا العام، فبكوا، وقالوا: إلى من تكلنا يا أبانا؟ فقالت إحدى بناته: كفوا عن البكاء ودعوا أبانا يحج، فليس هو برازق ((إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)).. نام الأولاد جياعًا وجعلوا يلومون أختهم، فقالت: اللهم لا تؤجرني بينهم، فمر أمير البلد بالمكان وطلب ماء فناوله أحدهم كوزًا فيه ماء بارد، فشرب الأمير وسأل: دار من هذه؟ قال: دار حاتم بن الأصم، فرمى الأمير قطعة من ذهب، وقال لأصحابه: من أحبني فعل مثلي، فرموا كلهم مثله، فبكت بنت حاتم الأصم، فقالت لها أمها: ما يبكيك وقد وسع الله علينا؟ فقالت يا أماه، مخلوق نظر إلينا فاستغنينا وشكرنا، فما ظنك بالله -جل وعلا- لو نظر إلينا!
يوم عرفة يوم عظيم، وساعاته أغلى من الذهب والفضة، لا يضيّعها في الغفلة إلا عبد محروم. يوم إجابة الدعوات وتحقيق الأمنيات.. أقرب دعاء للإجابة هو دعاء يوم عرفة؛ ففي سنن الترمذي أن النبي –صلـى الله عليه وسلم- قال: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”.
عرفة؛ يوم التذلل والانكسار والتواضع: يُروى عن مُطرف بن عبد الله الشخير -رحمه الله- أنه وقف في عرفة مع بكر المُزَني فقال أحدهما: “اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي”، وقال الآخر: “ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيه”.. فما أكرم الإنسان حين يعترف بتقصيره في حقّ مولاه وينظر إلى نفسه على أنّه أسوأ عباد الله حالا!
عرفة؛ يوم الاعتراف والحياء من الله: يُروى أن الفضيل بن عياض –رحمه الله- وقف بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: “واسوأتاه منك وإن عفوت”!.
عرفة؛ يوم العتق الأكبر: كان بعض السلف يأخذ بلحيته في يوم عرفة ويقول: “يا رب قد كَبُرت فأعتقني”.. عرفة؛ يوم الرجاء: جاء عبدالله بن المبارك إلى سفيان الثوري -رحمهما الله- عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه في صعيد عرفة، وعيناه تهملان من الدموع، فقال ابن المبارك لسفيان الثوري: “من أسوأ هذا الجمع حالًا؟”، قال: “الذي يظن أن الله لا يغفر له”.