الرأي

يوم انتصار الدم على النار

عمار يزلي
  • 677
  • 0

ستون سنة تمر على يوم وقف إطلاق النار في الجزائر التي ظلت تقاوم الاستعمار مدة 132 سنة: عيد النصر، يوم طالما انتظره الشعبُ الجزائري من أجل رؤية بريق يوم الاستقلال يلوح في الأفق القريب وينعم الشعب عما قريب بنعيم الحرية والسيادة والجلاء الاستعماري. يومٌ لم يكن كباقي الأيام: يوم مخلد لأنه كان يوم نصر للمجاهدين الأشاوس ولأبطال كل المقاومات على مر التاريخ الوطني. يوم، بالتأكيد هو يوم كل الشهداء الذي ضحَّوا بالنفس والنفيس من أجل هذه اللحظة الفارقة التي كانوا يتصوّرونها ويرونها بعيدا.. وكان الله يراها قريبا.

نحتفل اليوم بذكرى 19 مارس 1962، ونتذكر معها، والصورة ماثلة أمامنا اليوم لصور مروعة للحروب والدمار والقتل والتشريد… في أوكرانيا ولكن أيضا في اليمن وفي فلسطين المنكوبة منذ 1948، منذ استعادة الغرب الأوروبي لحريته من الدمار النازي وخروج فرنسا من تحت الأنقاض التي خلَّفها الاجتياح الألماني لأراضيها وهي المستعمِرة لأرض الغير. يوم نحتفل بنصرنا على الغازي المحتلّ، ونتذكّر فيه أسلافنا الذي قضوا واستُشهِدوا واستبسلوا من أجل هذه اليوم الفارق.

ذكرى عيد النصر لهذه السنة، لها طعمٌ ونكهة خاصة، لاسيما ونحن نرى ويلات الحروب والدمار ونعاين ما يعاني منه الغرب المحتل في أوكرانيا التي هب الجميع لنجدتها والتضامن معها بكل الأشكال التي لم يسبق لها مثيل ضد “روسيا المجتاحة لأراضيها”، مع العلم أن كثيرا من هذه الدول هي من دشنت الحروب والاحتلال في كل بقاع الأرض.. ولا تزال.

تحل ذكرى عيد انتصارنا على المحتل ونحن نقارن ونتأسّف.. وهم لا يخجلون أحيانا من ازدواجية المعايير: المحتل السابق يدين المحتل الحالي.. المحتل السابق يدين شكلا من الغزو ولا يدين أشكالا أخرى: حلال علينا احتلال “الغير، الآخر”، حرام على “الغير الآخر” احتلالنا. الغرب الذي يعيش مرض الذاكرة ويتناسى، ولا ينسى، أفعاله السابقة وجرائمه اللاحقة، التي مورست في الخفاء وفي العلن.. جرائم لم توثق كلها بالصورة والشهادة كما يفعل الآن. وحتى اليوم، لا تزال ازدواجية المعايير في تداول الصورة وحجب الحقيقة هي ديدن الديمقراطية الغرب والحريات المزعومة.، فالظالم والمحتل والغازي هو ذلك الخارج من دائرة انتمائهم وصلبهم ولغتهم ودينهم وديدنهم، فيما الظالم والمستبدّ و”مجرم الحرب” كان دوما “ليس منهم” وهم البادئون به، المدشِّنون له.. والبادي أظلم حتى في شريعة المسيحية التي ينتمون إليها قولا ولا يطبقونها فعلا.

عيد النصر عندنا اليوم هو عيدٌ للذكرى وتذكّر ما عاناه الشعب الجزائر من ويلات الحرب والتدمير والتنكيل طيلة 132 سنة وليس فقط 22 يوما من الحرب على أوكرانيا، التي بلا شك نتضامن مع شعبها تضامنا مع كل الشعوب المسحوقة والتي تعاني من أثار الحروب ومنها الشعب الفلسطيني المقاوم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، منذ 1917، سنة منحت بريطانيا “ما لا تملك لمن لا يملك”.. سنة تقاسم فيها العارَ التاريخي كلٌّ من وزيري خارجية فرنسا وقتها “بيكو” ووزير خارجية بريطانيا “سايكس”.. ومارسا أكبر فسوق في التاريخ لا يزال إلي اليوم قائما ويتمدد.. شعب يناضل ويستشهد ويستبسل كل يوم تحت النار والحصار والتجويع والتركيع، ولا من ناصر غربي ولا من مندِّد وفاعل ما يفعل اليوم الغرب ضد روسا في أوكرانيا. الشعب الفلسطيني الأعزل، الذي يقاوم طيلة أطول ملحمة في العصر الحالي بعد ملحمتي الجزائر وجنوب إفريقيا.

انتصارنا اليوم، صورة مخلِّدة ومنيرة لكل الشعوب المناهضة لكل أنواع الاحتلال والظلم مهما كان انتماؤُها شرقا أو غربا.. صورة تذكِّر أبناءنا وأطفالنا اليوم.. كما عانى آباؤهم وأجدادهم من أجل أن يرى أحفادهم بأعينهم نور هذا اليوم.. ليروا بأعينهم شعوبا أخرى تُكوى بنار الحروب والدمار كما اكتوينا بها جميعا.

مقالات ذات صلة