الرأي

يوم عالمي لنار بلا دخان

عمار يزلي
  • 688
  • 0

العالم المتغير المتحول بسرعة لم يعد بالإمكان قياسها، أنتج مجموعة من القيم الجديدة، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية: قيم أنتجتها الحرب وعززها الغرب الغالب على الغرب المغلوب وعلى بقية العالم التابع لثقافة مشبَّعة بالثورة الرأسمالية منذ الثورة الفرنسية في 1789: الثورة التي وضعت حدا لقيم الإقطاعية والكنيسة وأسست لعنفوان جديد ثقافة وفكرا واقتصادا وقيما أخلاقية في نهاية المطاف، كان أحسن من عبَّر عنها وقتها في علم الاجتماع “دوركهايم” وفي الاقتصاد “ماركس” و”ماكس فيبر” في الإنثروبولوجيا الثقافية، خاصة فيما يتعلق بتطور الرأسمالية البروتستانتية، التي انتجت اليوم الليبرالية ثم النيو ليبرالية المعتمدة على المال والمال فقط.

بداية من الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينيات من القرن الماضي، بدأت شركات إنتاج التبغ تتحول إلى إنتاج عوامل “التهدئة”، تماما مثل إنتاج الكوكا وأشكال أخرى غير تقليدية من المخدّرات ومنها العفيون والماريخوانا: إنتاج سجائر التدخين كشكل مخفف للتهدئة النفسية والاجتماعية في مجتمع مأزوم كان يمثل ذروة البحث عن الانتشاء باعتبار السجائر باعثة للمتعة والنشوة، حتى عادت تمثل موضة لا تضاهى قياسيا بأشكال أخرى من السجائر: سجائر المضغ أو الاستنشاق.

لم يكن العالم يعرف بعد أن السجائر ستصبح مثل المخدرات تماما، وحتى إن كان المنتجون يعرفون ذلك، لطبيعة التركيبة الكميائية للمنتج الذي يعتمد على سلب الإرادة والوصول بمستهلكها إلى الإدمان قبل الهلاك، فلم يكونوا يعلنون عن ذلك مخافة انهيار شركاتهم العالمية، وأكثر ما تم فعله في كثير من الدول، هو منع الإشهار للسجائر والخمر في نهاية المطاف، باعتبارهما، ومنذ الثلاثينيات، مصدر قلق اجتماعي واقتصادي وأمني.

لم يستفق العالم على مخاطر التدخين إلا مؤخرا، عندما بدأت أعراض المدمنين تظهر، وينتهي بالكثير منهم إلى الموت: أكثر من 6 ملايين يموتون اليوم حول العالم سنويا بسبب التدخين، منهم نحو 600 ألف سنويا من غير المدخِّنين، أي ممن يستنشقون السجائر في البيوت وفي الأماكن العامّة والعمل من دون أن يكونوا مدخنين أصلا.

إعلان منظمة الصحة العالمية يوم 31 ماي من كل سنة يوما عالميا ضد التدخين، وهذا منذ 1988، يبدو أنه جاء متأخرا بعد كل ما حصده سرطان الحنجرة والرئة من أرواح بفعل هذا السم البطيء المبرمج.

اليوم، يتجه العالم إلى منع التدخين في الأماكن العمومية وفي وسائل النقل وأماكن العمل، للتقليل من حدة الانتحار اليومي لآلاف الأشخاص، ذكورا وإناثا من جراء الارتهان إلى هذا الكابوس الآسر القاتل. يضاف هذا، إلى الملايين في العالم ممن يرتهنون إلى المخدّرات بكل أشكالها وأنواعها، والتي تتفنَّن في إنتاجها وتوزيعها، لوبياتٌ وشبكاتٌ عالمية لا ترى إلا الربح والمال ولا شيء آخر يوقفها عن حصد المال ولو بحصد الأرواح.

قيم مجتمع جديد قائم ويتآكل، ينخر من الداخل في كل حين: من الخمر، إلى التبغ، إلى المخدرات الطبيعية فالصلبة، فالمصنَّعة مخبريا، لم تجد المنظماتُ العالمية الأممية أحيانا غير عزاء يوم واحد للدعوة والترشيد والتحذير وأياما سنوية آخرى للتخليد والتمجيد: أيام لم يعد لها معنى، لما يكون الحامي حراميا، ولما يكون الخصم هو الحكم، ولما يكون القاضي هو الجلاد، ولما يكون ذلك اليوم بنفسه هو السم في الدسم بعينه: أيام تخلّد الشذوذ وأيام أخرى تحرّر من القيود، وأيام أخرى تحذر من تقيييد المقيد من الدين. عالم يبدو أنه يسير نحو فقدان بوصلة المستقبل عبر فتح أبواب الحريات الحيوانية التي لا يمكن السيطرة عليها.. حريات غريزية تطلبها النفوس الأمارة بالسوء.. إلا ما رحم ربك.

مقالات ذات صلة