يوم وطني.. في بطني
مناسباتنا الوطنية والدينية والقومية والدولية، التي أجمعنا فيها على الجمع بينهما، تشترك كلها في خاصية واحدة هي “الاستهلاك”.. الأكل بشكل خاص! والناير جزء من هذا التقليد. المطلب السياسي الوطني بجعل “يناير” عيدا وطنيا، هو مطلبٌ شرعي ووطني، لأن يناير جزء من تاريخنا وحضارتنا التي عجنت الدين بالقومية بالمحلية، وهو تكملة للتصالح مع الذات ومع الهوية الوطنية ذات الأبعاد المتعددة: العربية الأمازيغية الإفريقية الإسلامية المتوسطية!
فاتح يناير، الذي يصادف 13 يناير بحسب التقويم الغريغوري المسيحي، ليس عيدا دينيا، بل يومٌ وطني قومي لدى الأمازيغ منذ 2961 سنة، ذكرى انتصار الملك الأمازيغي “شوشونغ” (950 سنة قبل ميلاد المسيح) على مصر الفرعونية، مما سمح للأمازيغ بحكم نصف مصر غرب النيل فيما بعد، فالمناسبة هي مناسبة قومية وطنية لنا جميعا، ذكرى انتصار جاء بعد صراع مرير مع الحكم الفرعوني الذي عاث في غرب النيل فسادا وظلما وجورا ضد شعوب الضفة الغربية للنيل، والذين كانوا ينتشرون عبر ربوع الشمال الإفريقي من حدود مصر مع ليبيا إلى جزر الخالدات (جزر الكناري الإسبانية حاليا).
مناسبة 01 يناير، لها كل المبرِّرات لتكون يوما وطنيا لكل الجزائريين الذين عجنتهم لحمة التاريخ الحضاري، فشكل شعبُها عجينة حضارية مع كل الوافدين عليها طوعا وكرها، كان “اسمنتها”، الإسلام، والدليل على ذلك أن كل أنظمة المغرب الإسلامي منذ فتح الأندلس في 92 هـ، وإلى ما بعد ثورة الخوارج كان عنوانها “الأمازيغ المسلمون”، خاصة ما بعد ثورة الخوارج التي كانت ثورة ضد “الولاة الجُباة” في أواخر العهد الأموي. إسلام لم يتزعزع، بل إن الأمازيغ كانوا أكثر تشددا في الدين خوفا عليه لا منه، حبا فيه لا رفضا له؛ إذ لا يزال إلى اليوم وإلى الأبد شعب الأمازيغ الحرّ، أكبر مدافع عن هذا الدين القويم والقلعة الحصينة التي لا تهزها لا رياح التجديد ولا أعاصير التعصير ولا قياصرة التقصير الذين يعملون على زعزعة استقراره ووحدته وتلاحمه.. يناير هو طبع الجزائريين الذين تطبعوا وفطموا عليه وتربوا على ثقافة تمجِّد الاستقلال والحرية لشعب عنوانه “الأمازيغ”، الذي يعني “الأحرار”.
نمتُ على عشاء مع أبنائي الـ12، بمناسبة “الناير”، بعد أن قدَّمتُ لهم كل الإرشادات في التعامل مع كثرة “التخلاط” محذِّرا إياهم من الانتفاخ وعواقب “عجوزة الناير” (البراكة أو الجثمة): كوكتيل من “الشرشم” كول وشم!.. 3 كلغ قرقاع، قلت لهم:”هذه قنابل يدوية”، البلوط، هذه رصاصات حارقة خارقة.. اللوز، هذه “بال طراصوز”. البندق، رصاص الخندق.. ثم أعطيت لهم تعليمات الأكل: لا تكثروا، واشربوا الماء أكثر، فأنتم مقبلون على حرب، ثم نمت على الأخبار: قصف في “الموصل” (البيت المجاور) عند بداية منتصف الليل، وفي “الباب”، الأتراك يقصفون داعش من “غازي عنتاب”، حرب شوارع في الرستن، ميليشات تقصف وأخرى تردّ بالتي هي أحسن، انفجار في “الرقة” داخل الشقة، قصف عشوائي في “طز خرماطو”، وقنبلة يدوية في “قرقامش والقامشلي”، دوي ضخم في البيت المجاور القريب من اللاذقية، اشتعال الجبهة بعد وقف إطلاق النار.. التحالف العربي يقصف الحوثيين، “التحلف” الدولي يقنبل الرمادي، الحشد الشعبي يرد بتفجيرات عشوائية على الأعادي، النظام يقصف إدلب بغازات الكلور.. خراب في المباني والقصور.. ودوي في البوسفور.. وفي أنفي كانت تفوح رائحة الفوسفور!
وأفيق: آآآي بطني يا وطني.. لابد أن يكون يوم غد فاتح يناير يوم عطلة وإلا مستحيل أن أخرج للعمل بعد الذي أكلته أمس!