الرأي

‮”‬السبكي‮” ‬الذي‮ ‬خطف مصر‮..‬و”جدّو حقي‮” ‬الذي‮ ‬ظلمناه‭!‬

قادة بن عمار
  • 4926
  • 0

في‮ ‬المدة الأخيرة،‮ ‬أطلقت مجموعة أبو ظبي‮ ‬للإعلام،‮ ‬قناة‮ “‬ماجد‮” ‬التي‮ ‬تُعنى بالطفولة،‮ ‬مشروع إعلامي‮ ‬كبير،‮ ‬انتظرته دولة الإمارات والمجتمعات الخليجية عموما منذ فترة ليست بالقصيرة وخطط له القائمون على الفكرة طويلا،‮ ‬كما وفروا له الخبرات والكفاءات ولم‮ ‬يبخلوا عليه بالأموال الطائلة،‮ ‬في‮ ‬سبيل ظهوره بشكل احترافي‮ ‬متميز‮..‬

المشروع جاء بعد إنتاج ما‮ ‬يزيد عن‮ ‬150‮ ‬ساعة من المحتوى البرامجي‮ ‬خلال فترة قصيرة تصل إلى‮ ‬6‮ ‬أشهر،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك‮ ‬70‮ ‬ساعة من الرسوم المتحركة،‮ ‬عملت شركة‮ “‬ماجد للترفيه‮”‬،‮ ‬الشركة الرائدة في‮ ‬مجال الإعلام والترفيه على مستوى منطقة الشرق الأوسط،‮ ‬والتي‮ ‬تم تأسيسها من قبل‮ “‬أبوظبي‮ ‬للإعلام‮” ‬على ضمان جودة محتوى‮ ‬يجمع بين الترفيه والفائدة،‮ ‬يصل إلى الأطفال العرب في‮ ‬مختلف أنحاء المنطقة‮..‬

الواقع أنّ‮ ‬من‮ ‬يطلق قناة تلفزيونية للأطفال في‮ ‬مثل هذا الظرف الصعب والزمن الموبوء بالكثير من المخاطر،‮ ‬لا‮ ‬يفعل شيئا ما عدا أنه‮ ‬يستثمر في‮ ‬المستقبل وكفى‭!‬

مهمة كبيرة وطموح مشروع،‮ ‬يبحث عن‮ “‬تجنب‮” ‬الانفلات الأخلاقي‮ ‬الذي‮ ‬نتخبط فيه حاليا،‮ ‬ويريد استعادة القيم الغائبة التي‮ ‬فرطنا فيها‮ “‬مع سبق الإصرار والترصد‮”‬‭!!‬

في‮ ‬مصر،‮ ‬قامت الدنيا قبل أيام،‮ ‬حين ظهرت طفلة في‮ ‬شريط فيديو وهي‮ ‬تقلد أبطال الأفلام التجارية وهو‮ ‬يتمايلون رقصا في‮ ‬الأفراح والموالد الشعبية واضعين سكاكين في‮ ‬أفواههم‭!‬

مصر التي‮ ‬أنتجت السينما لأكثر من مائة عام،‮ ‬تتخبط في‮ ‬مستنقع خطير اسمه”السبكي‮” ‬وهي‮ ‬عائلة تنتج أفلاما رخيصة،‮ ‬تشوّه القيم وتهدد الأخلاق وتصادر السلوكات الصحيحة‭!‬

يحدث ذلك أمام أعين الدولة التي‮ ‬يبدو أنها استقالت عن وظيفتها في‮ ‬حماية المجتمع من التدهور الأخلاقي‮ ‬وباتت مستمتعة بشعب فقد وعيه،‮ ‬ولا‮ ‬يبحث عن رقيه ولا‮ ‬يريد سوى رغيف خبز وقطعة حشيش ومشاهدة أفلام خليعة‭!!‬

لكن ماذا عنا في‮ ‬الجزائر؟ صحيح أن السينما لا تبدو بصحة جيدة،‮ ‬ولا‮ ‬يقبل عليها الناس مثلما‮ ‬يفعلون في‮ ‬مصر،‮ ‬لكن التهور الأخلاقي‮ ‬بات سمة مشتركة لكل المنطقة العربية،‮ ‬حيث لا‮ ‬يوجد شعب سلم من ظاهرة الانحرافات وإدمان المخدرات واختطاف الأطفال والتحرش الجنسي‮ ‬وووو‮.. ‬‭!‬

وهنا،‮ ‬دعونا نبدأ القصة من جذورها‮: ‬ماذا قدمنا للنشء من برامج تلفزيونية ومواد إعلامية تجنبه الوقوع في‮ ‬متاهات أو محتوى‮ ‬يمدّ‮ ‬يده لينتشله من مادة رخيصة،‮ ‬ومنتشرة بشكل كبير؟‭!‬

جدو حقي‮..‬والدويرة‭!‬

رحم الله الفقيد والأديب الكبير عبد الوهاب حقي،‮ ‬أو جدو حقي،‮ ‬مثلما كنا نناديه صغارا،‮ ‬فقد رحل دون أن‮ ‬يحقق حلمه كاملا في‮ ‬رؤية إعلام وطني‮ ‬مستقل وتربوي‮ ‬يهتم بالطفولة والنشء،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يتراجع أبدا عن مشروعه الكبير في‮ ‬خلق لمسة إعلامية خاصة،‮ ‬ظهرت من خلال تلك الملاحق التي‮ ‬كان‮ ‬يشرف عليها في‮ ‬الصحافة المكتوبة،‮ ‬أو من خلال إطلالته التلفزيونية التي‮ ‬استقطبت اهتمام جيل بأكمله،‮ ‬ارتبط بجدو حقي‮ ‬وبالقصص والحكايات التي‮ ‬كان‮ ‬يرويها للصغار وقتها‮..‬

أشفق كثيرا على الجيل الحالي،‮ ‬فبنظرة سريعة على التلفزيونات،‮ ‬رغم كثرتها،‮ ‬لا نشاهد برامج أطفال قيّمة إلا نادرا،‮ ‬ومعظمها مستنسخ،‮ ‬كما لا نبصر عبر الشاشات،‮ ‬أيّ‮ ‬سيدة تحكي‮ ‬لهم القصص والحكايات مثلما كانت تفعل السيدة نادية كرباش‮ (‬زوجة الموسيقار تيسير عقلة‮) ‬رحمها الله،‮ ‬أو رجلا عجوزا طيبا،‮ ‬يروي‮ ‬لهم القصص والعبر مثلما كان الراحل عبد الوهاب حقي،‮ ‬لا بل إن الجيل الأخير لبرامج الأطفال انتهى مع الممثلة ليندة‮ ‬ياسمين‮ (‬صاحبة برنامج استراحة الاثنين‮) ‬ومن قبلها الإعلامية وفاء الأغواطي‮ (‬أهلا أحبائي‮) ‬ومن قبلهما أيضا الحديقة الساحرة التي‮ ‬كانت فرجة تلفزيونية ممتعة ومفيدة للكبار والصغار معا‮..(‬رحم الله الفنان الكبير ايقاش محمد رؤوف الشهير بحديدوان،‮ ‬فقد كان لوحده ظاهرة فنية لن تتكرر‮..)..‬

لماذا لا نستطيع الآن تقديم عرض مسرحي‮ ‬تلفزيوني‮ ‬مثل”الدويرة”؟ العمل الذي‮ ‬أبدع فيه عدد كبير من الممثلين،‮ ‬أبرزهم عز الدين مجوبي،‮ ‬وصونيا،‮ ‬وسيراط بومدين،‮ ‬لقد ظلت‮ (‬الدويرة‮) ‬بعد‮ ‬30‮ ‬سنة من إنتاجها،‮ ‬بإمكانيات بسيطة وظروف تقنية صعبة،‮ ‬ملتصقة بذاكرة جميع من شاهدها صغيرا،‮ ‬بكينا معها وضحكنا وفرحنا‮..‬حتى الرسوم المترجمة باتت بلا طعم ولا رائحة،‮ ‬مجرد آلات عوضت القصص والحكايات المليئة بالعبر والنصائح والأمثال‮.‬

رحم الله جدو حقي،‮ ‬فقد عاش ليربي‮ ‬جيلا بأكمله،‮ ‬على الأخلاق الفاضلة،‮ ‬والسلوكات القويمة،‮ ‬عاش مقاوما للرداءة،‮ ‬مناهضا لسلخ القيم واغتيال الطفولة،‮ ‬ورحل دون أن‮ ‬يبكيه أحد ما عدا تلك التعزية‮ “‬الباردة‮” ‬التي‮ ‬بعثها وزير الثقافة‮ “‬مضطرا ربما‮” ‬لعائلة الفقيد،‮ ‬تعزية أدانت كاتبها بالجحود حين تعامل مع جدو حقي‮ ‬على أنه‮ “‬سوري‮ ‬وافد‮” ‬بالرغم من أنه كان جزائريا حتى الصميم،‮ ‬جزائري‮ ‬أفضل من كثيرين،‮ ‬دون نكران أصوله الشامية العريقة طبعا‮..‬

مقالات ذات صلة