”لم أتلق عرضا بعد “ذاكرة الجسد”، العالمية لم تنسِني أصلي، وحربي القادمة مع الجاسوسية”
لعلّه من بين الممثلين والفنانين القلائل الذين لمع نجمهم عند الغرب أكثر من محيطهم العربي الطبيعي، مشاركته اليتيمة عربيا في مسلسل “ذاكرة الجسد” يوازيها تألقه تونسيا في العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، شارك أثناء دراسته في لندن في سلسلة “دريم تيم”، ثمّ ظهر في سلسلتي “سبوكس” و”ذي بيل”، قبل أن يشارك في السلسلة التونسية “مكتوب”.. لم يسلم من ألقاب الصحافة والجمهور، فاعتبروه مهنّد العرب، وقالوا عنه عمر الشريف الجديد، في حين أنه لا يرى نفسه غير لاعب سابق لكرة القدم، اختار طريق عرض الأزياء مؤقتا، ثم الفن، فصنع اسما كبيرا، شارك به في بريطانيا وانتزع مكانا له في هوليود.. انه الممثل التونسي ظافر العابدين، والذي استغلت الشروق فرصة تواجده بوهران مؤخرا ليحدثها عن السينما، ذاكرة الجسد، ثورة تونس… وكرة القدم من الترجي وحتى ليفربول.
- وصولك للعالمية، ورغم ايجابياته، ألم يمنعك من التواجد في أعمال فنية عربية وحتى تونسية؟
طبعا لا، لأنّ هنالك نكهة خاصة في العمل بين أهلي وأحبابي وأصحابي، لا يمكنها أن تتحقق لي في أكبر الأعمال الفنية العالمية، ولو بمقابل مادي كبير، ففي المسلسلات الغربية، أتيحت لي فرصة الاحتكاك بتقنية عالية جدا، طريقة عمل عصرية، نوعية جديدة من الممثلين، لكن هذا لا يعوضني بتاتا عن العمل بلغتي ووسط أهلي، كما أنه مهم جدا أن يتذكر الإنسان جذوره ومن أين أتى، حتى يعرف طريقه نحو المستقبل. زيادة على أن مشاركاتي في الغرب لم تحذف من ذاكرتي يوما، تربيتي، وأصلي، ولا يمكنها أن تحرمني نعمة التواجد بين أهلي، وفي وطني.
شاركت في مسلسل “مكتوب” على الشاشة التونسية في رمضان، وشاهدك العالم أجمع في الجزء الثاني من فيلم “الجنس والمدينة”، لن أسألك عن الفرق، لكن هل تحس نفسك عمر الشريف الثاني في العالم العربي؟
– عمر الشريف اسم فني وتاريخ كبيرين، يسرني هذا التشبيه، لكن أعتقد بأنني ما زلت في بداياتي، ولم أقم بكل تلك الأدوار المهمة التي صنعت من عمر الشريف نجما عالميا، ورغم مشاركاتي الكثيرة في المسلسلات والأفلام الغربية إلا أنني أحلم بالمزيد.
ما هو أقرب دور إلى قلبك في العالم العربي…؟
– مقاطعا.. انه دور وحيد، صحيح أن أعمالي في الدراما المحلية التونسية متنوعة ومختلفة، لكن في الدراما العربية، لم أقم سوى بدور واحد، هو شخصية زياد الخليل في مسلسل “ذاكرة الجسد”، وقد مثّل بالنسبة لي فرصة سعيدة خصوصا أنه كان عملا عربيا مشتركا، اشتغل فيه جزائريون وتوانسة وسوريون ولبنانيون، والموضوع جميل للغاية، عن البطل الجزائري خالد بن طوبال، وعن الثورة الجزائرية المجيدة، كما أن تقمصي فيه دور شاعر وثائر فلسطيني اعتبرته مثل الهدية في مشواري الفني.
لعلّك تابعت الجدل الذي أتبع العمل، حين اعترضت كاتبته الأصلية أحلام مستغانمي على الإخراج؟
– أعتبره اختلافا في وجهات النظر، لأن الرواية في الأصل جزء لا ينفصل عن السيدة أحلام مستغانمي، كما أن هذا الجدل أتبع فقط العرض الأول للمسلسل في وقت الزحام الدرامي الرمضاني، بسبب أنه عمل موجه لفئة معينة من المشاهدين، وليس كل الناس، وهذا ليس عيبا، فمثلما هناك نوعية خاصة من الجمهور تفضل أفلام الحركة، أو الرعب، أو غيرها، فإن لـ “ذاكرة الجسد” جمهوره الخاص أيضا.
.. وبخصوص آمال بوشوشة؟
- قامت بمجهودات كبيرة في التمثيل، وأظهرت طاقات مهمة، وهي تستحق كل التشجيع والثناء، لأنها قدمت دورا مركبا وصعبا، وليس باللهجة الجزائرية، وإنما باللغة العربية الفصحى التي أتقنتها تماما.
بعد مسلسل ”ذاكرة الجسد”، هل تلقيت عروضا للمشاركة في مسلسلات عربية أخرى؟
- لا، للأسف، ربما لأنني مقيم بصورة دائمة في لندن، وهذا يجعل البعض يتصور أن حضوري بشكل دائم في التصوير أمر صعب… ربما..
.. وهل أنت مستعد لتقديم أدوار مختلفة، بعيدا عن لهجتك؟
– أحسن ما يمكن أن يحدث للممثل في مساره الفني، هو تقديمه دورا مختلفا، بلهجة مغايرة، وهذا يمثل تحديا كبيرا، فالممثلون في أمريكا يعملون بلهجات أسترالية، وبريطانية، وهذا لم يؤثر أبدا في مستواهم ولا نجوميتهم، وعندما عملت بالفصحى، احترمتها جدا، وأعطيتها وقتا كبيرا لإتقان قواعدها حتى لا أسيء إليها، وهكذا بالنسبة لبقية الأدوار الأخرى.
هناك من يقول إن السينما العالمية تستعين بممثلين عرب من أجل الإساءة لأمتهم؟
– هناك نوعية من هذه الأفلام حقا، ولكن هناك نوعية أخرى من الأفلام الغربية التي تدافع عن العرب أكثر مما يدافعون عن أنفسهم، مثل الأفلام التي فضحت التعذيب في أبو غريب، وأنصفت نساء لبنان وفلسطين مثلا، لكن هناك طبعا أفلاما بنظرة سلبية وأهدافها واضحة تماما، ويمكن القول إن هذا التنوع يفرض علينا عدم وضع الجميع في سلة واحدة. بالنسبة لي، كنت محظوظا، ووفقني الله لأقدم شخصيات مختلفة بجنسيات متنوعة، رغم أن هنالك أحكاما مسبقة على الشكل أكثر من المضمون أو موهبتي كفنان.
لم تحضر لمهرجان وهران في 2010، رغم أنه عُرض لك فيلم ”آخر ديسمبر” .. كيف جاءت المشاركة مؤخرا؟
ـ صحيح، تغيبت في 2010، رغما عنّي، بسبب ظروف العمل، لكن هذه السنة صمّمت أن لا تفوتني الدعوة، وحضرت، خصوصا أن المهرجان تكمن أهميته في عروبته روحا ومضمونا، وهو مناسبة ينشط فيها مخرجون ومنتجون وممثلون عربا، كما أنه يعد فرصة للاطلاع على جديد السينما العربية وحراكها في السنوات الأخيرة، زيادة على أنه من المستحيل رفض دعوة بلد شقيق وعزيز مثل الجزائر، وفي مدينة جميلة و”مزيانة” مثل وهران.
كيف وجدت تعامل الشعب الجزائري مع الفنانين التونسيين؟
ـ صدقني، الحدود الجغرافية التي تزعجنا على الورق، أكاد لا أشعر بوجودها، بين تونس والجزائر، تاريخنا واحد، نضالنا مشترك، مررنا بنفس المراحل، لهجتنا متقاربة جدا، تقاليدنا متطابقة، علاقتنا ببعضنا البعض وثيقة… كلها أمور تجعلني محتارا دوما، وأتساءل: لماذا لا توجد أعمال فنية مشتركة بين الجزائر وتونس، خصوصا أن لدينا طاقات كبيرة غير مستغلة، والتعاون الفني يمكنه أن ينجح على غرار ما تحقق في أوروبا والعالم الغربي، أو مثلما تجد في الأفلام الأمريكية هناك تعاون مع فنانين أستراليين وبريطانيين واسكتلنديين مثلا…
لكن هناك من يعتبر هذه مجرد أمنيات؟
ـ صحيح، لكنها ممكنة التجسيد، نحتاج فقط إلى فتح حوار جدي للتعاون، وصدقني هنالك حكايات كثيرة تجمعنا لكنها لم تُرو بعد.
من الصدف العجيبة أن هنالك تناوبا على إنتاج السينما بين الدول المغاربية، والأمر نجده أيضا في الرياضة وكرة القدم تحديدا، مرة هنالك تألق تونسي والعام الماضي جزائري، هذه السنة مغربي. - أنت كلاعب سابق هل ما تزال تستهويك الكرة المستديرة؟
ـ كثيرا، وأتابعها بشكل كبير، وقد استغربت فعلا عندما سمعت بأن الفريق الوطني الجزائري لم يتأهل لكأس إفريقيا، والأمر ذاته حدث للمغرب وتونس سابقا، فكل هذه الدول تتوفر على طاقات كبيرة، وتمتاز الجزائر بأن لها لاعبين محترفين في الخارج، يتفق الجميع على موهبتهم وقوتهم، وبالتالي فإن غيابها عن كأس إفريقيا يعد أمرا عجيبا حتى لا نتحدث عن المونديال، لكن يبدو أن هنالك أمورا أخرى تحدد مصير الفرق الوطنية في الجزائر وغيرها، لا علاقة لها بالطاقات فحسب، وإنما أيضا بالاستراتيجيات المتبعة من طرف الدول لاستغلال تلك الطاقات وتكوينها في كل المجالات، على غرار ما تفعله ألمانيا مثلا والتي تجدها متواجدة دوما في المونديال، ولاعبوها يحترمون التسعين دقيقة في كل المواجهات، لأن لديها أرضية صلبة تستثمر في الإنسان بشكل متكامل.
لماذا لم تكرر تجربة التقديم بعد ظهورك في برنامج ”أمير الشعراء” الضخم؟
ـ لأنه لم تأتني فرصة بنفس الحجم أو المستوى، علما أنني قدمت أيضا مهرجان قرطاج، في مناسبتين، وبالنسبة لبرنامج “أمير الشعراء” وافقت عليه لأنني عاشق للغة الضاد، وكنت ذلك الوقت قد فارقت العمل بها، فاعتبرتها فرصة لأتصالح معها مجددا، ولم أواصل بسبب ارتباطاتي الفنية في الغرب لكنني تركت الباب مفتوحا للتنشيط بانتظار فرص جديدة.
تونس بين تاريخ 7 نوفمبر و14 يناير .. كيف عايشتها؟
ـ فرق كبير بين التاريخين طبعا، فالسابع نوفمبر (تولي بن علي السلطة) كان انقلابا تم بطريقة معينة وأتى برئيس معين، لكن تاريخ الرابع عشر جانفي حققته إرادة شعبية، ومنحنا الشهداء في هذه الثورة نفسا جديدا للحرية، وبالتالي لا يمكن المقارنة بين التاريخين أبدا.
كيف تقرأ كممثل هذه التحولات السياسية في تونس؟
ـ الديمقراطية تحتاج وقتا لترسيخها، فهي عبارة عن تقاليد ومؤسسات، وليست مجرد شعار، ولا شك أننا ورغم التمني للحكومة الجديدة بالنجاح، إلا أن القادم أصعب جدا مما مضى، كما أنه يجب التفريق جيدا بين الكلام والفعل في الممارسة السياسية، لأن الشعب تضاعف وعيه جدا، وبات يمتلك المستقبل بعدما كان هذا الأخير مختطفا منه لسنوات.
ماذا لو عرضوا عليك فيلما ثوريا عن تونس، هل ستوافق؟
ـ شرف لي أن أعمل في فيلم أو مسلسل يروي فترة مهمة من تاريخ تونس، لكنني من حيث المبدأ أرفض استعمال الثورة في أعمال تجارية، ولا يمكن الموافقة على الأعمال الاستعجالية، على طريقة “حك راسك اعمل فيلم عن الثورة” حيث أن الجمهور لن يتسامح مع هذه النوعية من الأفلام أو الأعمال الفنية عموما، وسيحاسبها ليس فنيا فقط ولكن ثوريا وسياسيا أيضا.
ماذا عن الحياة الخاصة لظافر العابدين وسر الإقامة الدائمة في لندن؟
ـ بسبب العمل فقط، ناهيك على أنني متزوج منذ سنوات ولي طفلة، لكنني أتنقل بين بلد وآخر حسب طبيعة العمل والتصوير، كما أنني لم أفارق تونس أبدا، لأن عائلتي الكبيرة موجودة هناك، وتحديدا في مدينة تريانة بالعاصمة تونس، أما بقية حياتي فلا تختلف عن الناس العاديين، زيادة على أنني مغرم بالمطالعة، ومهتم كثيرا بالسياسة، كما أستمع للموسيقى، خصوصا العالمية، وأحب جدا من الأصوات الجزائرية، الشاب حسني رحمه الله، والشاب خالد.
.. وفي كرة القدم؟
ـ أتابع كثيرا البطولة الانجليزية، وأشجع فريق ليفربول، وطبعا هذا لم ينسني في عشقي الأول، الترجي الرياضي التونسي.
ماذا عن جديدك فنيا؟
ـ أقوم حاليا بتصوير مسلسل عن عالم الجاسوسية، من إنتاج قناة البي بي سي، وشركة أتش بي، زيادة على قناة أمريكية، كتبه وينتجه نفس كاتب سلسلة اكس فايلز الشهيرة، وتلعب البطولة فيه الممثلة المعروفة ميليسا جورج، علما أننا صورنا ثلاثة أسابيع في المغرب، وحاليا، نحن نقوم بالتصوير في بريطانيا.
ماذا تقول للجمهور الجزائري؟
ـ لا أحسهم غرباء عني، كما أتمنى التوفيق والنجاح للجزائر في كل الميادين، فنيا وسياسيا ورياضيا، وأرجو أن أعود في المرة القادمة وأنا ممثل في عمل فني مشترك بين الجزائر وتونس وربما بلدان أخرى، حتى نحقق وحدة عربية على غرار ما تعيشه أوروبا مثلا..