الفيلسوف الإيراني الكبير، رامين جاهانبيغلو، لـ "الشروق"
”ليس معقولا أن يفزع الغرب كلما رأى المصلين في ميدان التحرير”
رامين جاهانبيغلو، فيلسوف سياسي إيراني كبير، ولد سنة 1961، نال شهادة الـ “بي آ شدي” في الفلسفة من جامعة السوربون بباريس، ثم تابع دراسات ما بعد الدكتوراه بجامعة هارفارد..واشتهر بمواقفه السياسية الداعمة للديمقراطية في الجمهورية الإسلامية، مما كلفه السجن في 2006 وهو عائد إلى طهران من نيودلهي، قبل أن ينتقل إلى كندا حيث يعمل أستاذا بمعهد العلوم السياسية في جامعة تورونتو..التقته “الشروق” على هامش أيام ابن رشد بمدينة قرطبة الإسبانية، التي شارك بقوة في تنشيطها، وسألته عن نظرته لثورة التغيير التي يشهدها العالم العربي.
- * يشهد العالم العربي هذه الأيام ثورة حقيقية تهدف إلى إسقاط الأنظمة المستبدة..ألا ترى بأن إيران معنية برياح التغيير؟
- من المؤكد بأن إيران معنية بما يحدث، ولهذا فأنا أفضل الحديث عن موجة تغيير في العالم العربي الإسلامي وليس العالم العربي فقط، خاصة وأن هذه الحركة انطلقت من إيران قبل سنتين.
- *لكن الاحتجاجات في إيران لم تفض إلى شيء؟
- الحكومة في إيران استعملت الكثير من العنف، وهو ما لم نشاهد مثله لا في تونس ولا في مصر، لكن الذي يهمني هو نقاط التقاطع بين هذه البلدان الثلاثة، وأعني بها إيران وتونس ومصر، التي تضم مجتمعاتها أعدادا كبيرا من الشباب الحالم بالتغيير والحامل لمستوى ثقافي ومعرفي محترم، وهو الشباب الذي يجيد استعمال وسائل الاتصال الحديثة مثل فايس بوك وتويتر، وعلينا بالمناسبة أن لا ننسى بأن الشباب الإيراني كان البادئ باستغلال هذه الفضاءات الافتراضية في الترويج لاحتجاجاتهم على ما اعتبروه تزويرا للانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهي الحركة التي اشتهرت فيما بعد بـ ”ثورة تويتر”.. وانطلاقا من كل هذه الحقائق فإنني لا أستبعد تأثر إيران بما يحدث في المغرب والمشرق العربيين.
- * المعروف أن تأثير إيران في المنطقة، وتحديدا في سوريا ولبنان كبير جدا..ألا ترى بأن أي ثورة جديدة في إيران ستعرض الشرق الأوسط كله إلى زلزال عنيف.
- هذا ليس جديدا فالأمر نفسه حدث بعد ثورة 1979، التي أحدثت انقلابا حقيقيا في النموذج السياسي بالشرق الأوسط وفي العالمين العربي والإسلامي عموما، ففي تلك الفترة شهدت المنطقة مدا إسلاميا غير مسبوق، وعليه فإن أي تغيير اجتماعي أو سياسي تشهده إيران خلال الفترة القادمة سيؤثر حتما في دول مثل العراق وسوريا وأفغانستان وحتى تركيا.
- * كثيرون يتهمون إيران بالوقوف وراء ما يجري في العالم العربي عموما، وفي مصر بصفة خاصة، خاصة وأن النظام السياسي في طهران أنتج وتبنى مبدأ تصدير الثورة..هل تتفقون مع هذا الاحتمال؟
- أنا أختلف تماما مع مروجي هذه التهمة، لأن إيران قطعت علاقاتها منذ زمن بعيد مع مصر، وبسبب ذلك لا يوجد الكثير من الإيرانيين الذين يزورون الأراضي المصرية، ونفس الشيء بالنسبة للمصريين، وعليه فإنني أستبعد تماما أن يكون للنظام الإيراني يد فيما يجري بمصر، كما أنني أعتقد بأنه من القبيح استصغار الشعب المصري الذي بلغ مرحلة النضج مما يسمح له بقول “لا” لمبارك دون الحاجة إلى أي مؤثرات أجنبية، والشيء نفسه حدث في تونس. وفي هذا التحليل علينا أن لا نغفل تأثير الأزمات المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة على البلدين وعلى بلدان أخرى مثل الجزائر، فبسببها تضاعفت أعداد البطالين وتراجعت القدرة الشرائية إلى حدود لا تطاق، وعليه فإنه من القصور النظر إلى مرحلة ما بعد الثورة في مصر وتونس بعين السياسي فقط، فإلى جانب رحيل الأنظمة وتعديل الدساتير وفتح الفضاءات يجب التفكير في تحسين معيشة الناس ورفع الغبن عنهم.
- *يرى البعض بأن النظام السياسي الجزائري يختلف عن الأنظمة الموجودة في باقي البلدان العربية..ألا يكون ذلك كافيا لتجنيب الجزائر ثورة على الطريقتين التونسية والمصرية؟
- أنا أختلف معك تماما..فالجزائر تعيش بدورها نقصا فادحا في الحريات، كما أن شباب الجزائر وبفضل ما توفره وسائل الاتصال الحديثة يمكنهم بسهولة التأثر بما يجري عند جيرانه، ومنه فإنني أرى بأن إغفال السلطات الجزائرية لهذه الحقائق اليوم يمكن أن يضعها غدا في حرج كبير، ولتجاوز هذه الأزمة على النظام الجزائري التخلي عن مركزيته السياسية والتوجه إلى المزيد من الحرية والديمقراطية.
- * ألا تخشى من إمكانية أن يسطو الغرب، وفي مقدمته أمريكا، على ثورة التغرير في العالمين العربي والإسلامي؟
- أنا لست خائفا..فالغرب يخشى أساسا من تنامي التطرف الإسلاموي، وهو في اعتقادي لم يدرك بأن العرب والمسلمين تغيروا كثيرا في العقود الأخيرة بفضل العولمة وظهور وسائل الاتصال المتطورة، مما سمح للشباب بتجاوز ظاهرة الشح والتقتير في الأخبار، ومما خلق في هذه المجتمعات شكلا جديدا من الثورة، سلمي وبعيد كل البعد عن الأشكال التقليدية المعتمدة على العنف. فلا علاقة مثلا بمطالب الإسلاميين اليوم بمطالب سيد قطب منتصف القرن الماضي، ومن هنا وجب على الغرب التخلي عن هذا الخوف المرضي، فليس من المعقول أن نخرج فزاعة التطرف كلما رأينا الناس يصلون في ميدان التحرير أو في أماكن أخرى، فالصلاة لا تعبر أبدا عن أي شكل من أشكال التطرف، ولا علاقة لها بالسياسة، إنها شعيرة روحية، ولست أدري لماذا لا يخافون من الصلاة في الهند ويفزعون منها في مصر.
- * هناك أيضا خشية من أن لا تتبع هذه التغييرات السياسية بتغييرات ثقافية واجتماعية في اتجاه تقبل الآخر والانفتاح عليه، وليس بالضرورة أن يكون هذا الآخر خارجي، فقد يكون آخر ايديولوجي بين الإسلاميين والديمقراطيين، أو مذهبي بين السنة والشيعة وسوسيولوجي بين الشباب والشيوخ؟
- أنا على يقين بأن مساحة الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي كلما تمددت معها مساحة التفتح الثقافي، الوحيدون الذين يحق لهم الخوف من هذه الثورات هي الأنظمة الظالمة، أما نحن فعلينا أن نستبشر بها.