"الشروق" تلتقي البحار عاشور بن قاسي، إمام البحارة المفرج عنهم:
”نجونا بأعجوبة من اشتباكات مسلحة بين القراصنة”
“لن أنسى ذلك اليوم الذي نشب فيه خلاف بين القراصنة واحتكموا للغة الرصاص ” ..هكذا رد أصغر بحار كان على متن باخرة “أم في بليدة”، التي اختطفها القراصنة الصوماليون لأكثر من 10 أشهر في عرض مياه القرن الافريقي، في رده على سؤال للشروق، حول أهم الأحداث التي عايشوها أثناء فترة الاختطاف.
- عاشور بن قاسي البالغ من العمر 29 سنة والذي أبحر على متن الباخرة لأول مرة كضابط ميكانيك بعد سنوات قضاه في مياه البحار والمحيطات كمتربص، استقبلنا بمنزله بمدينة بواسماعيل في ولاية تيبازة، بعد تردد من شقيقته كونه كان خائر القوى، غير أننا أقنعناها وسمحت بعدها لنا بمقابلته، فكان التعب باديا على محياه غير أن الابتسامة لم تفارقه طيلة المقابلة .
”لا تخافوا من القتل نحن نريد أموالا فقط”
بدأ “إمام البحارة”، عاشور بن قاسي، الحكاية من تاريخ مغادرته السواحل العمانية إلى غاية وقوع السفينة في شراك القراصنة الذين صاروا ينشطون حتى بالأماكن المعروفة بأمانها فقال: “كنت نائما عندما دوت صفارة الانذار فصعدت إلى غرفة القيادة حيث علمت رفقة زملائي أننا على وشك الوقوع بين أيدي القراصنة، وما هي إلا لحظات حتى أطلق القراصنة وابلا من الرصاص عندما حاول البعض من البحارة الدفاع عن أنفسهم باستعمال خراطيم المياه، وبسرعة فائقة تمكنوا من السيطرة على الوضع وقاموا بتجميعنا في أعلى الباخرة وطمأنونا على حياتنا حيث قال قائدهم ”لا تخافوا نحن نريد أموالا فقط ثم نخلي سبيلكم” قبل ان يتوجهوا بنا نحو السواحل الصومالية.
رحلة المجهول لمدة 5 أيام
بعدما أحكموا سيطرتهم على السفينة – يواصل عاشور حديثه- “توجهوا بنا نحو السواحل الصومالية دون أن يعلمونا بذلك فلا أحد كان يجرؤ على مناقشتهم، غير أننا تأكدنا بمجرد اعتراضهم سبيلنا أنهم صوماليون والوجهة التي أخذونا نحوها بالتأكيد السواحل الصومالية”، ويضيف: خمسة أيام مرت علينا وكأنها خمسة أشهر قبل أن نحط الرحال بميناء “قراد” الذي يسيطر عليه جماعة القائد “أحمد”، وبعد فترة جاء المفاوض الذي سمح لنا بالاتصال بعائلاتنا لطمأنتهم، غير أن هدفه كان بداية ممارسة الضغط على مسؤولي الشركة للشروع في المفاوضات.
يوميات للرعب والخلافات مع القراصنة
عاشور الذي يعد أصغر البحارة كان أكثرهم عرضة لمضايقات القراصنة كونه ضابط ميكانيك وله دراية تامة بمحتويات الباخرة حيث قال: “كان نزاعي مستمرا مع القراصنة بسبب مطالبهم التي لا تتوقف خصوصا ما تعلق منها بالماء والوقود، فرغم علمهم بنفاذهما غير أنهم غالبا ما يعنفونني ويصرون على تحقيق مطلبهم”.
أما الأحداث التي كانت ترعب البحارة الـ27 فهي وقوع خلافات بين القراصنة التي تصل حد استعمالهم السلاح لفك النزاعات: “أحيانا نكون في جو من الهدوء حتى تندلع مشادات بين بعضهم فيحتكمون للغة الرصاص ويطاردون بعضهم بعضا داخل مرافق الباخرة، ما يزرع فينا هلعا كبيرا خوفا من تلقي رصاصة طائشة”.
سلوكات القراصنة -يواصل عاشور- كانت مثيرة للغرابة، فميزاجهم متقلب وطريقة تعاملهم معنا أو مع بعضهم تتغير في أي لحظة، فتجد أحدهم يبادلك الحديث بطريقة عادية غير أنه ينقلب بسرعة ويتحول إلى حيوان شرس يعتدي عليك أو يهينك.
صلينا التراويح وتبادلنا تهاني العيد
عن يومياتهم خلال الشهر الفضيل، قال بن قاسي: كنا نصوم ونفطر على الوجبات المعتادة قبل الصيام والمتكونة أساسا من المعكرونة و”السباقيتي” والأرز، وفي الليل نؤدي صلاة التراويح “كنت أؤم البحارة وأصلي بهم التراويح تارة من السور التي أحفظها وأخرى من المصحف الشريف، كان هذا الجو يريحنا حتى أن الحراس أثناء تأدية الصلاة لا يؤذون أحدا”، أما هم يضيف عاشور فبعضهم يصلي تارة عندما يكون بالبر وغالبا يتعاطون الخمر وأوراق الفات، وعن يوم العيد قال عاشور: “التأثر بدا واضحا..نهضنا صباحا، أدينا صلاة العيد وقبلنا بعضنا البعض وتمنينا قضاء العيد الموالي بين عائلاتنا غير أن عيد الأضحى عاد ونحن بين أيدي القراصنة”.
علمت أمي باختطافي قبل عودتي بأسبوع
رغم بقاء عاشور 10 أشهر و19 يوما مختطفا إلا أن والدته لم تكن تعلم بذلك، حيث أخفى جميع أفراد الأسرة هذا الخبر الذي قد يودي بحياتها وطلبوا من عاشور أن يتعامل معها في مكالماته الهاتفية على أنه في مكان بعيد “كانت أمي المسكينة تصدق “الأكذوبة” كونها اعتادت على الفترات الطويلة التي أقضيها بعيدا عن المنزل، غير أنني كنت أتأثر كثيرا بمجرد أن تتوقف المكالمة شأني شأن بقية الزملاء، فبعد إجراء المكالمات مع العائلات يسود جو من الأسى ويجهش بعضنا بالبكاء.ن