الرأي

‮”‬يا ليتني‮ ‬متّ‮ ‬قبل هذا‮”‬

جاء في‮ ‬القرآن الكريم على لسان سيدتنا مريم والدة سيدنا عيسى‮ – ‬عليهما السلام‮ – ‬قولها‮: ‬يا ليتني‮ ‬متّ‮ ‬قبل هذا وكنت نسيا منسيا‮”. ‬وقد قالتها لما ابتلاها ربها‮ – ‬عز وجل‮ – ‬بما ابتلاها به،‮ ‬حيث قضى أن تلد من‮ ‬غير أن‮ ‬يمسسها بشر‮.. ‬دليلا على القدرة الإلهية المطلقة‮.. ‬التي‮ ‬لا‮ ‬يعجزها شيء في‮ ‬الأرض ولا في‮ ‬السماء‮.‬

لقد ترتب على هذا الخلق العجيب أن اتهم اليهود تلك الطاهرة العذراء ببهتان كبير،‮ ‬وقالوا لها‮: “‬لقد جئت شيئا فريّا‮”‬،‮ ‬وقد أجرى الله‮ – ‬عز وجل‮- ‬معجزة أخرى‮ ‬يبرئ بها أمته الصالحة،‮ ‬وهي‮ ‬إنطاقه ذلك الصبيّ‮ ‬في‮ ‬المهدد‮. ‬فبهت الذين كفروا‮..‬

هذه الجملة‮ “‬يا ليتني‮ ‬متّ‮ ‬قبل هذا‮..” ‬رحت أرددها سرّا وعلانية،‮ ‬لا لجريرة اقترفتها،‮ ‬ولا لكبيرة اجترجتها‮ – ‬عياذا بالله-؛ ولكن من حرج ضيّق صدري‮ ‬كأني‮ ‬أصّعّد في‮ ‬السماء؛ لما قرأت ما نسب إلى المستشارة الألمانية،‮ ‬إنجيلا ميركل،‮ ‬من قول تعليقا على‮ “‬الهجرة نحو الشمال‮” ‬بتعبير الأديب السوداني‮ ‬الطيب صالح،‮ ‬غفر الله له‮.‬

إن هؤلاء الفارين إلى أوروبا قبل أن‮ ‬يكونوا مسلمين أو عربا‮ – ‬هم أناس كالناس،‮ ‬من حقهم على أمثالهم مدّهم بما‮ ‬يسد جوعتهم،‮ ‬ويروي‮ ‬ظمأهم،‮ ‬ويؤمن روعتهم‮.‬

قالت إنجيلا ميركل‮ – ‬التي‮ ‬هي‮ ‬أشرف من كثير من المسلمين بمن فيهم أصنامهم‮ – ‬الحكام‮-‬،‮ “‬غدا سنخبر أطفالنا أن اللاجئين السوريين هربوا من بلادهم إلى بلادنا،‮ ‬وكانت مكة أقرب إليهم منا،‮ ‬غدا سنخبر أن رحلة اللاجئين السوريين إلى بلادنا كانت كهجرة المسلمين إلى الحبشة،‮ ‬حيث كان حاكم نصراني‮ ‬لا‮ ‬يظلم عنده أحد‮. (‬الشروق‮ ‬6‮ ‬‭/‬‮ ‬9‮ ‬‭/‬‮ ‬2015‮. ‬ص15‮).‬

إنني‮ ‬أحسست بما قالته ميركل كأن طعنة نجلاء أصابت كبدي،‮ ‬وأنزلت‮ ‬غضبي‮ ‬على كل قادر من المسلمين قصّر في‮ ‬حق إخوانه،‮ ‬خاصة أولئك الحكام‮ “‬الأصنام‮” ‬الذين قال فيهم الشاعر‮:‬

أمتي‮ ‬كم صنم مجدتِه‮   ‬لم‮ ‬يك‮ ‬يحمل طهر الصنم

رغم كل ما‮ ‬يقال فإنني‮ ‬أشكرك أيتها السيدة نيابة عن الشرفاء من المسلمين الذين قبضوا قبضة من أثر‮ “‬الرحمة المهداة‮”‬،‮ ‬الذي‮ ‬لرحمته بشّر بغيا بدخول الجنة،‮ ‬لأنها رحمت كلبا فسقته‮..‬

أشكرك‮ – ‬أيتها السيدة‮ – ‬على ما قمت به نحو هؤلاء‮ “‬المعذبين في‮ ‬الأرض‮”‬،‮ ‬ولكن هذا الشكر لا‮ ‬يمنعني‮ ‬من التصريح بأن كثيرا مما نحن فيه هو بسبب السياسة الأوروبية‮ – ‬ومنها مؤتمر برلين‮- ‬الذي‮ ‬لا تزال آثاره إلى اليوم‮.‬

إذا كنت‮ – ‬أيتها السيدة‮ – ‬قد أمددت بعض اللاجئين ببعض‮ “‬الأروات”؛ فلا تنسي‮ ‬أن الصهاينة‮ ‬يتقبلون في‮ ‬النضرة والنعيم من أموال الشعب الألماني،‮ ‬بعدما اقتلعوا الفلسطينيين من أرضهم وأخرجوهم من ديارهم بمساعدة الدول الغربية‮.. ‬وإذا كانت ألمانيا قد أجرمت في‮ ‬حق اليهود،‮ ‬فما هو ذنب الفلسطينيين حتى‮ ‬يدفعوا ثمن إجرامكم؟ إن تقديرنا‮ – ‬أيتها السيدة‮ – ‬لما قمت به نحو بعض هولاء الفارين لا‮ ‬يمنعنا من تحميل بلادك نصيبا مما‮ ‬يعانيه أولئك‮ “‬البؤساء‮”.. ‬وفي‮ ‬مقدمتهم أهل‮ ‬غزة،‮ ‬الذين لم‮ ‬يبق لهم إلا الهواء‮..‬

مقالات ذات صلة