الجزائر
مساجد تتسابق للظفر بأحسن المقرئين وأطفال يؤمنون المصلين

100 مليون لنجوم التراويح!

نادية سليماني / سمير مخربش
  • 11223
  • 0
الشروق

عمليّة اختيارهم تتمّ أشهرا قبل رمضان، وتصل إكراميات بعضهم حتى 70 مليون سنتيم في المساجد الكبرى، يوضعون تحت مجهر لجان المساجد، طمعا في استقطاب أعداد كبيرة من المصلين.. إنّهم القارئون في صلاة التّراويح، الذين تحوّل بعضهم إلى مشاهير يلاحقهم المصلون من مسجد إلى آخر للتمتع بقراءتهم العذبة..

تفاوت الإكراميات بين الحواضر الكبرى والداخلية

يُفضل كثير من المصلين في رمضان، التوجه نحو مساجد معينة لأداء صلاة التراويح، للتمتع بصوت القارئ، الذي يجدونه شجيا وتزيد عذوبته في خشوعهم وتدبر آيات الذكر الحكيم.
وتتسابق اللّجان الدينية المشرفة على تسيير المساجد، مع اقتراب شهر رمضان بأسابيع وحتى أشهر، للظفر بأحسن القارئين لصلاة التراويح، وأحيانا يتم جلبهم من مدن بعيدة، في عملية تشبه في جانب منها عملية جلب اللاعبين المحترفين في كرة القدم.

غول: الوزارة مطالبة بسدّ العجز في تأطير المساجد

وتعرف بعض المساجد في رمضان “هجوما” كبيرا من المصلين الذين يهجرون مساجد أحيائهم، حتى لو كلّفهم الأمر التنقل لمسافات طويلة، لدرجة قد لا يجدون مكانا لهم في هذا المسجد، فيصلون في الشوارع والطرقات المحاذية.

قارئون لا تتوفر فيهم الشروط ويؤمون المصلين..
ويؤكد بعض الأئمة أنّ اللّجان العلمية أحيانا لا تختار قارئا تتوفر فيه الشروط المحددة من قبل وزارة الشؤون الدينية، بل يركزون على جمال صوته وحسن أدائه فقط.
وفي هذا الصدد، ذكر إمام مسجد القدس بحيدرة، جلول قسول في تصريح لـ”الشروق”، شروط اختيار القارئين في رمضان، حيث يمر القارئون عبر اللجنة العلمية، الموجودة بكل ولاية، ويتم سماع قراءتهم، سواء من حيث الحفظ أم التلاوة التي يجب أن تكون برواية ورش عن الإمام نافع، وبعد قبوله تمنح له رخصة مؤقتة لإقامة صلاة التراويح في مسجد معين، ولا يجوز له التنقل من مسجد إلى آخر.
وقال قسول: “بعض القارئين في المساجد، لا نعرف أي مكان قرؤوا فيه، كما لا يلتزمون بقراءة ورش عن الإمام نافع، ومع ذلك نجدهم يؤمّون صلاة التراويح؟”.

قارئون يرفضون المال ويتطوّعون في سبيل الله
وتختلف المكافآت المرصودة للقارئين في صلاة التراويح، عند نهاية الشهر الفضيل، وقد تصل في المساجد الكبيرة والمناطق الغنية، إلى عشرات الملايين، يتبرع بها المصلّون في رمضان. ففي الجزائر العاصمة، تؤكد مصادر مطّلعة تلقي قارئين أموالا ناهزت 60 مليون سنتيم، يقدمها لهم رجال أعمال وتجار، بينما تتراوح ما بين 20 و30 مليون سنتيم بمناطق داخلية أقل ثراء، وينخفض الرقم إلى 40 ألف دج في مساجد صغيرة بالمناطق النائية، بينما يتلقى القارئون في المناطق الصغيرة، مكافآت رمزية، أمّا بعض القارئين فيحتسبون قراءتهم صدقة في سبيل الله، ويكتفون بطلب الدعاء لهم.
وفي مساجد أخرى، يتولى أئمتها المعتمدون إقامة صلاة التراويح، مُستغنين عن القارئين المتطوّعين.
وفي ظاهرة جديدة برزت السنوات الأخيرة فقط، شهدنا اعتماد بعض المساجد قارئين أطفالا، تتراوح أعمارهم ما بين 12 و14 سنة، معروفين بعذوبة أصواتهم، من باب تشجيعهم وجلب المصلين نحو مساجدهم.

“مشاهير” يبالغون في إكرامياتهم.!
وعن مكافآت القارئين، التي يثار الجدل حولها دائما، ذكر غول أن أجورهم تختلف من ولاية إلى أخرى، “فبالمناطق الداخلية مثلا، مازالوا يتعاملون بالنية والعبادة، فيكرمون القارئ بمبالغ رمزية نظير مجهوداته، ولأنه من أهل القرآن، أو يساعدونه في حال كان أعزب، أما بالمدن الكبرى التي تضم قارئين كبارا، فهنالك من يرضون بأي مبلغ يتلقونه، أما آخرون فيشترطون مبالغ خيالية، تحت مبرر شهرتهم”.
ووصف محدثنا القارئين المبالغين في أجورهم برمضان بـ”اللاّهثين وراء زينة الحياة الدنيا، الذين حوّلوا إمامة صلاة التراويح في رمضان إلى استثمار مربح”.

قارئون يتنافسون في التلاوات العذبة..
من جهته، يرى إمام مسجد البرّ والإحسان ببلدية هراوة بالعاصمة، البشير الإبراهيمي لـ”الشروق”، بأنّ قارئي المسجد من الأئمة الموظفين، أما المتطوّعون في رمضان فيتم إكرامهم من طرف المصلين، بمبالغ مختلفة.
في حين، أكد إمام مسجد القدس بحيدرة، جلول قسول، أنه شخصيا ومعلم بالمسجد يتداولان على إمامة صلاة التراويح برمضان، ولا حاجة لهما إلى قارئين متطوّعين، معتبرا أنّ قراءات بعض القارئين مختلفة ولا تتوافق مع المعايير المضبوطة من طرف وزارة الشؤون الدينية. وقال: “بعض القارئين صاروا يتنافسون على القراءات وإضافة النغمات والألحان في التلاوة، وكأنهم في حصة ألحان وشباب، وآخرون يتنقلون من مكان إلى آخر للمتاجرة بكلام الله، وهذه سلوكات غير مقبولة؟”.
وكشف إمام مسجد الفلاح بولاية البليدة، توفيق بوزيان، لـ”الشروق”، أنهم يعتمدون في إمامة صلاة التراويح على متطوّعين متمكنين، يحضرونهم من المدارس القرآنية، ويتلقون أجورا أو مكافآت من تبرعات المحسنين والمصلين.

اختيار القارئين أضحى أكثر تأطيرا وصرامة
أكد إمام مسجد القدس بحيدرة، جلول قسول، أنه لا يتم اختيار القارئين في صلاة التراويح برمضان اعتباطيا، وإنما بشكل منظم ودقيق. فقبيل كل رمضان، تنشر اللجان العلمية عبر كل مديريات الشؤون الدينية بالولايات، إعلانا لاختيار القارئين الذين يودّون إمامة صلاة التراويح، فيُطلب منهم ملف يقدّم للجهة الإدارية، ومن ثمّ يجتازون اختبار الحفظ الجيد للقرآن الكريم من دون المصحف، لأن بعض القارئين يقرؤون من المصحف.
ويجب أن تكون القراءة برواية ورش عن الإمام نافع، وبعدما توافق اللجنة العلمية على القارئ، يمنحه مفتش المقاطعة الترخيص بالقراءة وبإمامة صلاة التراويح.
وحسب محدثنا، فقد أصبح الترخيص للقارئين مؤخرا، أكثر تأطيرا وصرامة، عكس ما كان عليه في سنوات خلت.

رمضان يكشف عجز التأطير البشري بالمساجد
وفي الموضوع، أكّد المنسق الوطني للمجلس المستقل للأئمة وموظفي الشؤون الدينية، جمال غول لـ”الشروق”، أنه أياما قبل رمضان تظهر قضية العجز في تأطير بعض المساجد التي لا يوجد أي موظف رسمي، لغياب المناصب المالية الكافية، التي سبق أن طالبت بها نقابته.
وقال غول: “في رمضان تشتد الحاجة إلى مؤطري المساجد، ويظهر هذا العجز، خاصة في إمامة المصلين، فتستعين المساجد بمتطوّعين في صلاة التراويح.. فلماذا لا تستثمر الوزارة في هذا الجانب، وتُوظف أساتذة التعليم القرآني للإمامة في شهر رمضان؟”.
كما دعا المتحدث الوصاية إلى تشديد شروط اختيار القارئين المتطوّعين في رمضان، وتبيان ما يجب وما لا يجب، ولكن الإشكال “أن المتطوّع لا يمكنه الالتزام بشروط الوزارة، لأنه مجرد متطوّع وليس موظفا” على حد قوله.
والحل، حسبه، هو توفير مناصب مالية، لسد العجز في المساجد، بينما نضع إجراء استثنائيا لحفظة القرآن المتطوّعين الذين يملكون قراءة طيبة، نستطيع بواسطته محاسبتهم ومراقبتهم عن أي خطإ يرتكبونه.

محسنون يكرمون قرّاءهم في ليلة القدر
100 مليون لأصحاب الحناجر الذهبية في صلاة التراويح

يتنافس القُرّاء في جمع المصلين في صلاة التراويح، وتحقيق أكبر عدد من المتابعين، ولهم أيضا تنافس من نوع آخر يكمن في الظفر بالجائزة المالية التي يقطفونها مع نهاية الشهر الفضيل، التي تصل في بعض الأحيان إلى مائة مليون سنتيم، يجود بها المحسنون على صاحب الحنجرة الذهبية التي تستقطب أكبر عدد من المصلين.
انتقاء القارئين لإمامة المصلين في صلاة التراويح، لم يعد اعتباطيا أو يخضع للعشوائية، بل هو اليوم مرتبط بشروط يجب أن تتوفر في القارئ، مع العلم أن أغلبية المقبلين على إمامة المصلين في رمضان هم من القراء وليسوا من المقرئين، وهناك فرق بين الاثنين، فالقارئ هو الذي يحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، في حين إن المقرئ هو العالم بالقراءات.

هذه شروط اختيار القرّاء للتراويح
وحسب إطارات الشؤون الدينية الذين تحدّثنا إليهم، فقد أوكلت مهمة اعتماد القارئ إلى لجنة مختصة تُنصب على مستوى مديريات الشؤون الدينية عبر الولايات، وتعرف باسم لجنة التأهيل، وهي التي تتولى ضبط كفاءة المرشحين، الملزمين بتقديم عرض أمام أعضاء اللّجنة يكون في شكل امتحان يقرأ فيه المرشح ما تيسر من القرآن، ويكون التقييم على طريقة القراءة والصوت وأحكام الترتيل، وهو عرض بمثابة امتحان ينتهي بالرفض أو القبول، ولا تكتمل التزكية إلا بعد تصفح ملف المعني من الناحية الإدارية والأمنية. والأصل في انتداب هؤلاء لإمامة المصلين في صلاة التراويح يكون من باب التطوع، والمديريات لا تدفع لهم أي مقابل، ولا تسمح أيضا بجمع الأموال داخل المسجد لدفع أجرة للقارئ الذي صلى بالناس خلال شهر رمضان.
ولقد تم اعتماد هذا الأسلوب من طرف وزارة الشؤون الدينية تجنبا للممارسات السابقة التي أخرجت إمامة الناس في صلاة التراويح من إطارها التطوعي، أين كان التنافس على أشده من أجل الظفر بمنحة القراءة غير الرسمية، التي كانت محل تفاوض بين إمام المسجد والقارئ، حيث كانت بمثابة عرض خدمة بمقابل مادي، ولا يتردد القارئ في اشتراط عشرات الملايين لإتمام الشهر. وكان على إمام المسجد أن يجمعها من المصلين لتسليمها للقارئ الذي يحقق شهرة للمسجد بصوته الشجي.

محسنون يكرمون قرّاء المساجد في ليلة القدر
ويبدو أنّ الوضع تغيّر هذه المرّة بعدما أبعدت وزارة الشؤون الدينية هذا الملف عن مسؤوليتها، معتبرة إمامة الناس في صلاة التراويح عملية تطوعية بحتة، لكن هذا الإجراء لم يغلق كل الأبواب في وجه القارئ، بل ترك له نافذة لتحقيق أجر مادي عن طريق تبرعات المحسنين الذين بإمكانهم إكرام القارئ عند نهاية الشهر أو في ليلة القدر، فيجودون عليه بمنحة مالية معتبرة تصل في بعض الأحيان إلى 100 مليون سنتيم أو يزيد. ويتم تقديرها من طرف المحسنين حسب كفاءة القارئ وجودة قراءته واستقطابه للمصلين. وبحسب الأئمة الذين تحدّثنا إليهم، فهو أمر جائز، وتعتبر تلك المنحة على اختلاف قيمتها بمثابة هدية للقارئ خاصة إذا كان فقيرا، لكن لا ينبغي له أن يشترط مبلغا معينا.
والملاحظ أنّ هناك بعض المحسنين تفرغوا للمساجد ووجهوا صدقاتهم إلى بيوت الله، فتجدهم حاضرين في أي عملية ترميم للمسجد أو تجديد لتجهيزاته، ويزداد جودهم وكرمهم في شهر رمضان دون نسيان القارئ الذي يرفع في نظرهم من قيمة المسجد والحي الذي يقطن فيه ذلك المحسن، الذي يسعى دوما إلى أن يكون المسجد الذي ينتسب إليه هو الأفضل في صلاة التراويح.

متطوّعون يرفضون الإكراميات…
وعلى قدر جودة الصوت وتأثيره في المصلين تأتي قيمة المنحة التي تكون عن طيب خاطر من المحسن، ولا تخضع لأي سند قانوني، بل هي مكافأة للقارئ وكفى. والمساجد اليوم بمحسنيها، فالقارئ الذي يؤدي المهمة بنجاح في مسجد فيه رجال كرماء وأسخياء حظوظه ترتفع للظفر بإكرامية معتبرة، في حين إن المساجد التي تعاني من فقر مرتاديها وغياب أصحاب المال، فينال فيها القارئ أجر القيام ودعوات المصلين.
وبالمقابل، هناك قُرَّاء يرفضون أي منحة مهما كان نوعها ومصدرها، ويفضلون إمامة الناس دون مقابل حتى يكون جهدهم خالصا لوجه الله وحده. وهذا يعني أن إمامة المصلين في صلاة التراويح فيها أجران أجر يحتسب عند الله، وأجر يأتي من المحسنين ولكل قارئ وجهته.

مقالات ذات صلة