الجزائر
"مجالس الطعون" تنطلق في دراسة ملفات إعادة الإدماج

12 يومًا للبتّ في المصير الدراسي للتلاميذ الراسبين

نشيدة قوادري
  • 2351
  • 0

تشرع مجالس الطعون عبر مختلف المؤسسات التربوية، مع بداية الأسبوع، في عقد جلساتها الرسمية المخصصة لدراسة ملفات إدماج التلاميذ المطرودين خلال الموسم الدراسي الجاري، في حين تقرر إحالة الملفات العالقة التي قد تشهد “خلافات” على مستوى المدارس على مستوى مديريات التربية للولايات، للبت فيها بشكل نهائي، بحيث يبقى “مصيرهم الدراسي” معلقا على المجالس واللجان الولائية، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بمصير التلاميذ وحرص السلطات التربوية على منحهم فرصاً جديدة للاندماج داخل الوسط المدرسي.

وإلى ذلك، طالب مديرون ومفتشون ببرامج مرافقة للتلاميذ المعاد إدماجهم، تشمل الدعم النفسي والتربوي، بدل الاكتفاء بمجرد السماح لهم بالعودة إلى مقاعد الدراسة، بالإضافة إلى عدم الاكتفاء بالطرد كحل لمعاقبة المتعثرين، من خلال التفكير في “بدائل تربوية”، تكون أكثر نجاعة مثل الوساطة المدرسية، الإنذارات التدريجية، العقوبات التربوية الموجهة، والأنشطة الإصلاحية.

وفي مقابل ذلك، دعا أفراد الجماعة التربوية إلى أهمية مراجعة المنظومة التأديبية برمتها داخل المؤسسات التربوية، بسبب ما تفرزه مجالس الطعون سنويا من نقاشات لا نهاية لها

الطرد بين العقوبة التربوية والحق في فرصة ثانية

أفادت مصادر “الشروق” أن عقوبة الطرد من الدراسة تعتبر من أخطر الإجراءات التي قد تُتخذ في حق التلميذ، إذ تنهي مساره الدراسي داخل المؤسسة التعليمية، وغالباً ما تكون نتيجة تراكمات سلوكية أو تربوية أو حتى إدارية. غير أنّ المشرّع التربوي منح للتلاميذ المطرودين حق الطعن، وذلك في إطار مقاربة بيداغوجية واجتماعية تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير جسر للعودة إلى المقاعد الدراسية.

وفي هذا الصدد، لفتت مصادرنا إلى أنه في حال أسفرت عملية دراسة الطعون عن ملفات عالقة أو تلك التي تشهد خلافات أو رفضاً على مستوى المتوسطات والثانويات، فإنه يتم إحالتها مباشرة على اللجان الولائية للطعون على مستوى مصالح مديريات التربية للولايات المختصة، قصد الفصل النهائي فيها قبل تاريخ 15 أكتوبر الجاري كآخر أجل قانوني.

أما بالنسبة للذين تم قبول التماساتهم في المرحلة الأولى من الدراسة والتقييم، فإنه يتم منحهم صفة “متمدرس”، وتعطى لهم بذلك فرصة ثمينة لإعادة السنة بالنسبة للتلاميذ غير المعنيين بالامتحانات المدرسية، في حين يعيد تلاميذ الأقسام النهائية اجتياز أحد الامتحانين “شهادة التعليم المتوسط أو البكالوريا”، كمترشحين نظاميين.

وفي هذا الإطار، يؤكد خبراء التربية أنّ فتح باب الطعن أمام التلاميذ وأوليائهم يترجم رؤية إصلاحية تسعى إلى إعادة الاعتبار للعملية التعليمية كحق أساسي، بعيداً عن منطق الإقصاء النهائي، الذي قد يجرّ في كثير من الحالات إلى الانقطاع التام عن الدراسة وما يترتب عنه من انحرافات اجتماعية، بعد أن يجد التلاميذ أنفسهم في الشارع خارج أسوار المؤسسة التربوية.

مجالس الطعون.. فضاء للحوار وإعادة التقدير

وعن كيفيات انعقاد مجالس الطعون، على مستوى المؤسسات التربوية، أبرزت ذات المصادر أن العملية تجرى بحضور مدير المؤسسة التعليمية، ممثلين عن الطاقم التربوي، ويُطرح خلال الجلسات ملف كل تلميذ على حدة، مع دراسة أسبابه والظروف التي أدت إلى اتخاذ قرار الطرد في حقه.

ومن هذا المنطلق، يُعطى للتلميذ وولي أمره الحق في تقديم دفوعاتهم وتبريراتهم، قبل أن تخلص اللجنة إلى توصية إما بقبول الطعن وإعادة إدماج التلميذ وفق شروط محددة، أو رفضه مع إحالة الملف على المستوى الولائي لمزيد من الدراسة والتدقيق، مثلما تشرح مصادرنا.

اللجان الولائية.. الحكم الأخير قبل غلق الملف

وعليه، فإن جميع الملفات التي لن يُبت فيها على مستوى المؤسسات التعليمية، سواء بسبب تعقيد الوضعيات أو رفض الطعون، ستحال على اللجان الولائية للطعون التي تنعقد بمقر مديريات التربية للولايات. وتضم اللجان ممثلين عن مديرو مؤسسات التربية والتعليم.

وتعد هذه اللجان الهيئة العليا المخوّلة للفصل النهائي في القضية، حيث سيكون آخر أجل قانوني لاتخاذ القرارات يوم 15 أكتوبر الجاري، ما يمنح فرصة للتلاميذ المقبولين للالتحاق بمقاعد الدراسة دون تعطيل كبير في مسارهم البيداغوجي.

مقاربة تربوية لمراعاة المصلحة الفضلى للتلميذ

وفي هذا السياق، يرى متابعون للشأن التربوي أنّ هذه الآلية تعكس إرادة الدولة في ضمان “المصلحة الفضلى للتلميذ”، وهو مفهوم رسخته الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الطفل، واعتمدته وزارة التربية في مقاربتها الإصلاحية. فبدلاً من الاقتصار على الجانب العقابي، تسعى المجالس واللجان إلى تشجيع سياسة الإدماج والوقاية من التسرب المدرسي.

كما تبرز أهمية هذه الخطوة في كونها تتيح للتلاميذ مراجعة سلوكياتهم وتقديم التزامات كتابية أو شفهية بالانضباط مستقبلاً، مما يمنح العملية طابعاً إصلاحياً تربوياً أكثر من كونه جزائياً.

ومن جهتهم، يترقب أولياء التلاميذ المطرودين نتائج مجالس الطعون بكثير من القلق والتوجس، خاصة وأن الطرد غالباً ما يرتبط بضغط نفسي واجتماعي كبير على الأسرة. ويرى العديد منهم أنّ إعادة إدماج أبنائهم تمثل فرصة لإنقاذ مستقبلهم من الضياع، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

وفي المقابل، يطالب بعض أولياء الأمور بتشديد الرقابة على سلوكيات التلاميذ بعد إعادة إدماجهم، ضماناً لعدم تكرار الأخطاء ذاتها، ولحماية استقرار المناخ التربوي داخل المؤسسات التربوية.

وبناء على ما سبق، أشارت المصادر ذاتها إلى أن الأسرة التربوية تعتبر أن هذه الإجراءات خطوة إيجابية في سبيل تكريس العدالة التربوية. لكنها نبهت إلى ضرورة الموازنة بين حق التلميذ في التعليم وحق المؤسسة في الحفاظ على الانضباط.

وإلى ذلك، طالبت الأسرة التربوية مديري المؤسسات التعليمية ببرامج مرافقة للتلاميذ المعاد إدماجهم، تشمل الدعم النفسي والتربوي، بدل الاكتفاء بمجرد السماح لهم بالعودة إلى مقاعد الدراسة.

في حين يرى خبراء أنّ توفير فضاءات إصغاء داخل المدارس، مع إشراك المرشدين النفسيين والاجتماعيين، كفيل بالتقليل من حالات الطرد أصلاً، ما يغني عن الطعون المتكررة.

تحديات أمام المجالس واللجان للفصل في الإدماج

وأوضحت مصادرنا بأنه رغم الإيجابيات، تواجه مجالس الطعون تحديات عملية، أبرزها كثرة الملفات في بعض الولايات، إلى جانب ضيق الوقت قبل الموعد النهائي (15 أكتوبر)، فضلا عن صعوبة التوصل إلى قرارات منصفة تراعي مصلحة الجميع.

كما يُطرح سؤال حول مدى قدرة المؤسسات التربوية على استيعاب التلاميذ المطرودين مجدداً دون التأثير على سير الدروس، خاصة في الأقسام المكتظة، إضافة إلى ذلك، يبرز إشكال غياب المتابعة البيداغوجية والنفسية الكافية، وهو ما قد يحوّل إعادة الإدماج إلى إجراء شكلي بدل أن يكون حلاً تربوياً حقيقياً.

نحو ثقافة بديلة للعقاب والطرد

وبالتأكيد لما سلف، يرى خبراء أنّ عقد مجالس الطعون سنوياً، وما تفرزه من نقاشات، يمكن أن يكون فرصة لمراجعة المنظومة التأديبية برمتها داخل المؤسسات. فبدل الاكتفاء بالطرد كحل جذري، يمكن التفكير في بدائل تربوية أكثر نجاعة مثل الوساطة المدرسية، الإنذارات التدريجية، العقوبات التربوية الموجهة، والأنشطة الإصلاحية.

كما أنّ إشراك التلميذ في تحمل مسؤولية خطئه، وإيجاد حلول تشاركية مع الأولياء والأساتذة قد يساهم في تكوين وعي تربوي واجتماعي، بدل دفعه نحو الانقطاع والفراغ.

وبين الحق في التعليم وضرورة الحفاظ على الانضباط داخل المؤسسات التربوية، تبقى مجالس الطعون واللجان الولائية مساحة للتوازن بين المصلحتين. ويمثل تاريخ 15 أكتوبر محطة فاصلة للتلاميذ المطرودين وأوليائهم، حيث سيتحدد مصيرهم الدراسي بشكل نهائي. غير أنّ التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه الإجراءات إلى سياسة وقائية أكثر منها علاجية، بما يضمن استقرار الوسط المدرسي وحماية مستقبل التلاميذ على حد سواء.

مقالات ذات صلة