17 أكتوبر اليوم الوطني للهجرة… عندما تتحول الذاكرة إلى قوة جيوسياسية
خلال حضوري العديد من الندوات والملتقيات التاريخية، كثيراً ما لفتني مشهد يصعب أن يمر دون أن يترك أثراً في النفس: رجال ونساء من صُنّاع التاريخ يتحدثون عن الجزائر بحرارة تمتزج أحياناً بالدموع، وكأن الأحداث التي عاشوها لم تتحول إلى ماضٍ بعيد. ؛ فعندما يتحدث عن الثورة ورجالها وسنوات الكفاح، تشعر أنك أمام ذاكرة حية تستعيد تفاصيلها لحظة بلحظة، وتسبق الدموع الكلمات أحياناً. في تلك اللحظات ندرك أن التاريخ ليس مجرد وثائق محفوظة، بل تجربة إنسانية تختزن الألم والتضحية والوفاء. ولعل هذا ما يجعل 17 أكتوبر أكثر من مجرد تاريخ؛ إنه جسر بين الذاكرة والحقيقة، وبين الوفاء للماضي والمسؤولية عن المستقبل. شخصيا اعتبر نفسي انتمي الى جيل محظوظ – لكون جيلنا استطاع ان يتقط كثيرا من الشهادات الحية من شخصيات عظيمة صنعت تاريخ الجزائر بالدم والدموع بالقرطاس والرصاص والقلم .. ويعد تاريخ 17 أكتوبر من التواريخ التي كبرنا على وقعها وأثرها .. لانها واقعة كتبت اسطرها بالدم والدموع وفوق كل ذلك دبجها يراع التاريخ بحروف من نور .
17 أكتوبر 1961: حين وصل القمع إلى قلب باريس … باريس عاصمة القمع لا منبع الانوار؟
ليس 17 أكتوبر يوماً عادياً في تاريخ الجزائر، بل محطة استثنائية تكشف كيف امتدت معركة الاستقلال إلى قلب العاصمة الفرنسية، وكيف تحول الجزائريون في المهجر إلى قوة وطنية ساهمت في الدفاع عن قضية التحرر.
في ليلة 17 أكتوبر 1961، خرج عشرات الآلاف من الجزائريين في مظاهرات شملت ساحة الأوبرا، وسان ميشال، وسان لازار، والشانزليزيه، وجسر نوف، كما امتدت إلى نانتير وكولومب وكوربفوا وضواحي باريس الأخرى. حمل هؤلاء مطلب الحرية إلى قلب عاصمة المستعمِر، متحدّين حظر التجول والتمييز العنصري وسياسة الإذلال. لكن الشرطة الفرنسية، بقيادة موريس بابون، واجهت المسيرات بالقمع والضرب والاعتقالات الجماعية، وأُلقي عدد من الجزائريين في نهر السين. لقد تحولت شوارع باريس وجسورها إلى مسرح لمأساة كشفت التناقض الصارخ بين شعارات الجمهورية الفرنسية وممارساتها الاستعمارية؛
في ذلك المساء المتهدج، خرج أكثر من 25 ألف جزائري، وفق بيان الرئاسة الفرنسية سنة 2021، احتجاجاً على حظر التجول الذي فرضته السلطات الفرنسية عليهم. واجهت الشرطة المظاهرة بقمع عنيف، واعتُقل قرابة 12 ألف شخص، وسقط قتلى وجرحى، وأُلقيت جثامين بعض الضحايا في نهر السين.
لم تختلط مياه نهر السين بالدم فحسب في الذاكرة الجزائرية؛ بل حمل النهر جثامين رجال حُرموا حتى من حق العودة إلى عائلاتهم، فتحول من مجرى مائي يعبر باريس إلى شاهد على مأساة ظلت جراحها مفتوحة. إنها صورة تختصر مأساة شعب واجه القمع في قلب الدولة الاستعمارية، وتجعل المكان الجغرافي رمزاً للضحايا الذين غُيّبوا وللحقيقة التي تأخر الاعتراف بها.
لم يكن الحدث مجرد مواجهة أمنية، وإنما كان لحظة ذات دلالة جيوسياسية؛ فقد أثبت أن الثورة الجزائرية تجاوزت الحدود، وأن الجالية ساهمت في التنظيم والتعبئة والتمويل وإيصال صوت القضية الوطنية إلى الرأي العام الدولي. ومن هنا يمكن قراءة 17 أكتوبر من منظور جيوسياسية الشتات (Géopolitique de la diaspora)، حيث تتحول الروابط البشرية والتاريخية خارج الوطن إلى امتداد للنضال الوطني. ان أصوات الوطنيين بالخارج لا تقل وقعا وتأثيرا عن أصوات الداخل فكلاهما يخرج من مشكاة واحدة مشكاة الوطنية والاستقلال والثبات على العهد والوعد.
كيف تحرك الضمير الفرنسي والدولي؟
لم تنتفض الصحافة والرأي العام في العالم بصورة موحدة وفورية، لكن المجزرة أثارت ردود فعل مهمة داخل فرنسا وخارجها. فقد ساهمت صحف ومجلات فرنسية، بينها “لومانيتيه” (L’Humanité) و”فرانس أوبسرفاتور” (France Observateur)، في نقل شهادات وتقارير تناقض الرواية الأمنية الرسمية. كما أسهم المصور الفرنسي إيلي كاغان في توثيق مشاهد الاعتقال والقمع.
وفي المقابل، واجه كشف الحقيقة عراقيل سياسية وإعلامية؛ فقد مُنع تداول بعض الأعمال التي تناولت الحدث، ومن بينها كتاب بوليت بيجو “اعتداءات عنصرية في باريس” (Ratonnades à Paris)، كما تعطل عرض الفيلم الوثائقي “أكتوبر في باريس” (Octobre à Paris) لجاك بانيجيل.
وعلى المستوى الفكري، رفض مثقفون فرنسيون، من بينهم جان بول سارتر وبيار فيدال-ناكيه وسيمون دو بوفوار، الصمت عن العنف الاستعماري. وأسهمت كتاباتهم ومواقفهم في مساءلة الرواية الرسمية وفتح المجال أمام النقاش حول مسؤولية الدولة وحقوق الإنسان.
ومع مرور السنوات، اتسع النقاش بفضل أبحاث المؤرخ جان-لوك إينودي (Jean-Luc Einaudi)، ولا سيما كتابه “معركة باريس: 17 أكتوبر 1961″، وأعمال الباحثين جيم هاوس ونيل ماكماستر. لقد تحولت الشهادات والصور والوثائق إلى أدوات لمواجهة النسيان، بعدما بقي الحدث طويلاً خارج الوعي العام.
وفي 17 أكتوبر 2012، أقر الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند بأن جزائريين قُتلوا خلال “قمع دموي” للمظاهرة. ثم جاء بيان إيمانويل ماكرون سنة 2021 ليصف الجرائم المرتكبة تحت سلطة موريس بابون بأنها “غير مبررة بالنسبة للجمهورية الفرنسية”.
أما المؤرخ الجزائري محمد حربي، فقد دعا إلى اعتراف فرنسي أوسع بمسؤولية الدولة، في حين ركز الباحثون على ضرورة فتح الأرشيفات وتدقيق الحصيلة. ويكشف هذا المسار أن الحقيقة التاريخية لا تظهر دائماً فور وقوع الحدث؛ بل تحتاج إلى الشهود والبحث العلمي والضغط الإعلامي والمجتمعي.
لا يمكن فهم مكانة 17 أكتوبر في الذاكرة الجزائرية من الأرقام وحدها. فكل ضحية كانت إنساناً له أسرة وحياة وأحلام، وكل مفقود ترك وراءه أسئلة لم تجد بعض العائلات إجابات عنها. ولهذا حملت المجزرة معنى مزدوجاً في الوجدان الجزائري: الألم لفقدان الأبناء والآباء والإخوة، والاعتزاز بتمسك المهاجرين باستقلال وطنهم رغم القمع والبطش وصلف المستعمر الغاشم.
لقد نقلت العائلات وشهادات الناجين وصور الشهود ذاكرة الحدث بين الأجيال، حتى عندما لم تجد هذه الذاكرة مكاناً كافياً في الروايات الرسمية والمناهج. وأصبح السين رمزاً للضحايا المجهولين وللحقيقة التي تأخر الاعتراف بها.
إن الوفاء للضحايا لا يكون بتغذية الكراهية التي لا يعرف الجزائري لها طريقا، بل بحماية الحقيقة وصون الكرامة ومنع التزييف والنسيان. فالذاكرة الوطنية القوية هي التي تستند إلى الوثيقة والشهادة والبحث، وتمنح الضحايا أسماءهم ومكانتهم في التاريخ. وهنا نستذكر ونعتز بما تنجزه مؤسسة الذاكرة في الجزائر.
من جيوسياسية الحدود إلى جيوسياسية الشبكات
تغيرت طبيعة الهجرة الجزائرية؛ فالجزائري الذي كان بالأمس عاملاً في المصانع والمناجم و المعامل الاستعمارية الفرنسية أصبح اليوم أستاذاً جامعياً وطبيباً وباحثاً ومهندساً وشرطيا وعسكريا ومستثمراً. وهكذا أصبحت الجالية جزءاً من رأس المال البشري (Capital humain) الجزائري الممتد عبر فضاءات المعرفة والاقتصاد والسياسة الدولية.
لم تعد الهجرة انتقالاً للأفراد فقط، بل حركة للخبرة والمعرفة والاستثمار والعلاقات. وهذا ما يفسر الانتقال من جيوسياسية الحدود (Géopolitique des frontières) إلى جيوسياسية الشبكات (Géopolitique des réseaux).
ويمكن للجالية أن تعزز القوة الناعمة (Puissance douce) للجزائر من خلال الدبلوماسية العلمية (Diplomatie scientifique)، والثقافية (Diplomatie culturelle)، والاقتصادية (Diplomatie économique). لذلك لا ينبغي حصر السياسة الوطنية في استعادة الكفاءات نهائياً، بل تطوير تدوير الكفاءات (Circulation des compétences) عبر البحث المشترك والتكوين ونقل التكنولوجيا والاستثمار. وجاليتنا الجزائرية تزخر بكفاءات ومقدرات في جميع التخصصات والمجالات المهارية.
كيف نحوّل اليوم الوطني للهجرة إلى محطة تاريخية فارقة؟
يتطلب تحويل 17 أكتوبر من مناسبة سنوية إلى مشروع وطني مستدام عشر خطوات مترابطة:
أولاً: بناء مشروع وطني للذاكرة بالتنسيق واشراف مباشر من مِؤسسة الذاكرة، يربط تاريخ الهجرة بالثورة التحريرية وبناء الدولة، وينسق بين مؤسسات الذاكرة والجامعات ومراكز البحث.
ثانياً: إنشاء مرجعية وطنية لتاريخ الهجرة، تجمع الوثائق والصور والمراسلات والشهادات، وتعمل على رقمنة الأرشيف وإتاحته للباحثين.
ثالثاً: تدوين شهادات صُنّاع التاريخ، من المجاهدين والدبلوماسيين والمناضلين والمهاجرين وأسر الضحايا، وتحويلها إلى مادة تاريخية قابلة للتحقق. والعمل على ترجمة هذا العمل الوثائقي الى اللغات الحية في ظل ثورة المعلومات والذكاء الاصطناعي
رابعاً: إدماج الذكرى في التعليم، عبر برامج مدرسية تربوية وجامعية ووثائقية تشرح سياق المظاهرات ودور الجالية في الثورة.
خامساً: تدويل الذاكرة، بتنظيم معارض وندوات وأفلام وثائقية بالتعاون مع الجامعات ومؤسسات الأرشيف في فرنسا وغيرها. بما فيه الدول الافريقية التي عانت البطش الاستعماري ذاته .
سادساً: إنشاء مسارات ومعالم للذاكرة، توثق المواقع المرتبطة بالمظاهرات والاعتقالات والضحايا وتربط الأحداث بالأماكن التي شهدتها.
سابعاً: تحويل الجالية إلى شريك في التنمية وتعزيز ديناميكية دورها، بإنشاء شبكة للكفاءات الجزائرية بالخارج وربطها بالجامعات والمؤسسات الاقتصادية الوطنية.وهو ما قام به السيد الرئيس بدعوة كبار الشخصيات العلمية ذات التاثير العالمي وإنشاء شبكة تتبع مباشرة مؤسسة رئاسة الجمهورية.
ثامناً: تطوير الدبلوماسية التاريخية والثقافية، بإنتاج كتب وأفلام ومعارض متعددة اللغات وتعزيز التعاون الأكاديمي الدولي.
من الذاكرة إلى القوة الوطنية الشاملة
إن القيمة الجيوسياسية لذكرى 17 أكتوبر لا تكمن في استحضار المأساة وحدها، بل في تحويل التجربة التاريخية إلى وعي وطني قادر على بناء المستقبل. فإذا كان المهاجر الجزائري بالأمس قد أسهم في النضال من أجل الاستقلال، فإن الجزائري في الخارج اليوم يستطيع المساهمة في بناء اقتصاد بلاده ومعرفتها وتكنولوجيتها وحضورها الثقافي والدبلوماسي.
ولا ينبغي اختزال الجالية في رصيد اقتصادي أو أداة للنفوذ؛ فالعلاقة بالوطن تقوم أيضاً على الذاكرة والانتماء والكرامة والحق في المشاركة. ومن هنا يتطلب نجاح السياسة تجاه الجالية الإصغاء إلى تطلعاتها وبناء قنوات دائمة للتعاون معها.
وعندما تستحضر الجزائر في 17 أكتوبر 2026 ضحايا القمع في باريس، فإنها لا تستعيد الماضي فقط، بل تعيد التفكير في مستقبل علاقتها بمواطنيها في الخارج. فقد استطاع الجزائريون في 17 أكتوبر 1961 أن يجعلوا من شوارع باريس مساحة لإسماع صوت وطنهم؛ واليوم يستطيع أبناؤهم أن يجعلوا من الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية والثقافية فضاءات جديدة لحضور الجزائر في العالم.
إن الجزائري في الخارج يستطيع أن يحمل العالم إلى الجزائر، كما يستطيع أن يحمل الجزائر إلى العالم. فالأوطان لا تُبنى فقط بمن يعيشون داخل حدودها، وإنما أيضاً بمن يحملون صورتها وذاكرتها ومعرفتها وقيمها إلى العالم.
وهكذا، لا يمثّل 17 أكتوبر مجرد جرح في الذاكرة الجزائرية، بل شهادة على شعب دفع من دمه ثمن الحرية، وأثبت أن الحدود لا تفصل الإنسان عن وطنه، وأن القمع مهما اشتد لا يستطيع دفن الحقيقة إلى الأبد. لقد حمل نهر السين جثامين الضحايا، لكنه لم يحمل قضيتهم إلى النسيان؛ فقد بقيت حاضرة في ضمير الأجيال، وفي شهادات الناجين، وفي ذاكرة الجزائر التي ترفض أن تتحول تضحيات أبنائها إلى أرقام صامتة.
إن الوفاء لشهداء الهجرة لا يكون بالترنح والبكاء على الماضي وحده، بل بتحويل الذاكرة إلى معرفة، والجالية إلى شريك، والتاريخ إلى قوة لبناء المستقبل. ولعل مقولة الشهيد العربي بن مهيدي تختصر هذه الحقيقة:
“ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب”.
فالشعب الذي احتضن ثورته بالأمس، ها هو يحتضن ذاكرته، ويجعل من تضحيات أبنائه أساساً لوطن قوي بعلمه، متمسك بتاريخه، ومنفتح على العالم. فالذاكرة أمانة، والوفاء مسؤولية، والمستقبل هو الامتحان الحقيقي لعظمة التضحيات.
لم تختلط مياه نهر السين بالدم فحسب في الذاكرة الجزائرية؛ بل حمل النهر جثامين رجال حُرموا حتى من حق العودة إلى عائلاتهم، فتحول من مجرى مائي يعبر باريس إلى شاهد على مأساة ظلت جراحها مفتوحة. إنها صورة تختصر مأساة شعب واجه القمع في قلب الدولة الاستعمارية، وتجعل المكان الجغرافي رمزاً للضحايا الذين غُيّبوا وللحقيقة التي تأخر الاعتراف بها.
إن الوفاء للضحايا لا يكون بتغذية الكراهية التي لا يعرف الجزائري لها طريقا، بل بحماية الحقيقة وصون الكرامة ومنع التزييف والنسيان. فالذاكرة الوطنية القوية هي التي تستند إلى الوثيقة والشهادة والبحث، وتمنح الضحايا أسماءهم ومكانتهم في التاريخ. وهنا نستذكر ونعتز بما تنجزه مؤسسة الذاكرة في الجزائر.
تغيرت طبيعة الهجرة الجزائرية؛ فالجزائري الذي كان بالأمس عاملاً في المصانع والمناجم و المعامل الاستعمارية الفرنسية أصبح اليوم أستاذاً جامعياً وطبيباً وباحثاً ومهندساً وشرطيا وعسكريا ومستثمراً. وهكذا أصبحت الجالية جزءاً من رأس المال البشري (Capital humain) الجزائري الممتد عبر فضاءات المعرفة والاقتصاد والسياسة الدولية.
لا يمثّل 17 أكتوبر مجرد جرح في الذاكرة الجزائرية، بل شهادة على شعب دفع من دمه ثمن الحرية، وأثبت أن الحدود لا تفصل الإنسان عن وطنه، وأن القمع مهما اشتد لا يستطيع دفن الحقيقة إلى الأبد. لقد حمل نهر السين جثامين الضحايا، لكنه لم يحمل قضيتهم إلى النسيان؛ فقد بقيت حاضرة في ضمير الأجيال، وفي شهادات الناجين، وفي ذاكرة الجزائر التي ترفض أن تتحول تضحيات أبنائها إلى أرقام صامتة.