اقتصاد
دراسة لمحافظي الحسابات تقترح استراتيجية وطنية للعناقيد الصناعية إلى 2035:

20 ألف مؤسسة حول المشاريع القاطرة بـ 1.5 مليون منصب شغل!

إيمان كيموش
  • 215
  • 0
ح.م
تعبيرية

عقود إنجاز ومرافق مبرمجة مسبقا لمنع تأخر الكهرباء والمياه والتهيئة الصناعية
من التدقيق إلى التمويل… أدوار موسعة لمحافظي الحسابات في العناقيد الصناعية

تعرض دراسة مرجعية أعدتها الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات إطلاق استراتيجية وطنية للعناقيد الصناعية للفترة الممتدة بين 2027 و2035، تقوم على تحويل المشاريع الصناعية الكبرى إلى مراكز جذب لآلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بدل الاكتفاء بإنجاز وحدات إنتاجية معزولة، بما يسمح بخلق نسيج صناعي متكامل ورفع القيمة المضافة محليا وتنويع الاقتصاد خارج المحروقات.
وتضع الدراسة، والتي حملت عنوان “الاستراتيجية الوطنية للعناقيد الصناعية 2027-2035″، أربعة مشاريع قاطرة كنواة أولى لهذا المسار، تشمل مركبا لتحويل البروبيلان إلى بولي بروبيلان، ومركبا متكاملا للحديد والصلب، ومشروع عصر البذور الزيتية، ومنصة للبذور موجهة للبطاطا والخضروات، على أن تتوسع التجربة لاحقا إلى عناقيد أخرى وفق معايير اقتصادية وصناعية واضحة.
وبحسب الوثيقة التي شملت 159 صفحة، فإن الرهان لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات المباشرة، وإنما بخلق “أثر اقتصادي” حول المشاريع الكبرى، من خلال مؤسسات المناولة والخدمات والنقل والتكوين والهندسة والصيانة والتجهيز، إذ تستهدف الاستراتيجية في أفق 2035 استحداث ما بين 1.2 و1.5 مليون منصب شغل مباشر وغير مباشر، إلى جانب أكثر من 250 ألف منصب مباشر خلال الموجة الأولى الممتدة إلى غاية 2031.

من اقتصاد الريع إلى نسيج صناعي منتج
تنطلق الدراسة من تشخيص تعتبر فيه أن الجزائر تمتلك مقومات تسمح ببناء قاعدة صناعية أكثر تنافسية، في مقدمتها وفرة الموارد الطبيعية، وتوفر الطاقة بتكاليف تنافسية، وسوق داخلية تقارب 46 مليون مستهلك، فضلا عن الموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية والإفريقية.
غير أن هذه المؤهلات، وفق الوثيقة، يجب أن تنعكس بالشكل الكافي على الصناعة التحويلية، التي تظل مساهمتها في الناتج الداخلي الخام في حدود 5 إلى 6 بالمائة، في وقت لا تزال فيه نسبة معتبرة من القيمة المضافة تضيع بسبب تصدير المواد في أشكال أولية أو شبه مصنعة، ثم استيراد منتجات نهائية ذات قيمة أعلى.
وتستشهد الدراسة بشعبة البوليمرات لتوضيح حجم الفارق، حيث يمكن تصدير البولي بروبيلان الخام بنحو 350 إلى 450 دولار للطن، بينما قد ترتفع قيمة المنتجات الناتجة عن تحويله، مثل مواد التغليف والأفلام والأنابيب وغيرها، إلى ما بين 1500 و6000 دولار للطن، أي مضاعفة القيمة بنحو 10 إلى 20 مرة بحسب المنتج ودرجة التحويل.
وتعتبر الدراسة أن هذا الفارق يمثل فرصة صناعية ضائعة يمكن استرجاعها عبر تشجيع التحويل المحلي، وربط المشاريع الكبرى بشبكة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة القادرة على إنتاج المدخلات والمكونات والخدمات المرتبطة بها.
وتضع الاستراتيجية أرقاما مستهدفة لتوسيع قاعدة النسيج الصناعي، أبرزها تعبئة نحو 20 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة جديدة أو ناشطة حول المشاريع القاطرة والعناقيد الصناعية، مع استهداف أكثر من 250 ألف منصب شغل مباشر خلال الموجة الأولى 2027-2031.
أما في أفق 2035، فتقدر الوثيقة المناصب المباشرة وغير المباشرة المتراكمة بما بين 1.2 و1.5 مليون منصب، وفق السيناريو المرجعي.
كما تتوقع الاستراتيجية تحقيق قيمة مضافة تحويلية إضافية تتراوح بين 18 و30 مليار دولار سنويا، مع رفع حصة الصناعة في الناتج الداخلي من مستويات تقدر بـ6 إلى 8 بالمائة إلى نطاق 12 إلى 15 بالمائة، إلى جانب إيرادات سنوية للمنتجات المحولة في حدود 8 إلى 12 مليار دولار، وتدفق إضافي للصادرات خارج المحروقات يتراوح بين 6 و10 مليارات دولار سنويا على المدى المستهدف.

أربعة مشاريع قاطرة للانطلاق الأولي
وتقترح الدراسة الانطلاق من أربعة مشاريع قاطرة، باعتبارها نواة لعناقيد صناعية قادرة على استقطاب مؤسسات مرتبطة بها.
ويأتي في مقدمتها مركب البولي بروبيلان لتحويل البروبيلان في منطقة أرزيو بوهران، ضمن شعبة البيتروكيمياء والبلاستيك، باستثمار تقديري يتراوح بين مليار وملياري دولار.
كما تقترح مركبا متكاملا للحديد والصلب بطاقة 5 ملايين طن سنويا ، ضمن شعبة الحديد والصلب، باستثمار يتراوح ما بين 3 و5 مليارات دولار.
وتتضمن القائمة كذلك مشروع عصر البذور الزيتية، ضمن الصناعات الغذائية، باستثمار يتراوح بين 300 و350 مليون دولار، إضافة إلى منصة للبذور موجهة للبطاطا والخضروات في منطقة الصحراء، باستثمار يقدر بين 20 و30 مليون دولار.
وتؤكد الدراسة أن أهمية هذه المشاريع لا تقاس بحجم استثماراتها وحدها، وإنما بقدرتها على خلق منظومة من المؤسسات المحيطة بها، سواء في المناولة أم الخدمات الصناعية أم النقل واللوجستيك أم الصيانة أم التكوين والبحث والتطوير.
وتقترح الوثيقة أن يقوم مفهوم العنقود الصناعي على أربعة عناصر مترابطة وهو مشروع قاطرة قادر على خلق طلب مستمر، وشبكة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة به، وشعب ذات أولوية تستفيد من بنية تحتية وخدمات مشتركة، إضافة إلى منظومة حكامة ومتابعة وقياس للنتائج. وتشدد الدراسة على أن المشاريع القاطرة يجب أن تكون قابلة للتوسع والتكامل مع النسيج المحلي، وأن يتم اختيارها وفق معايير تتعلق بحجم الطلب، والقيمة المضافة، وقابلية التصدير، والقدرة على خلق مؤسسات جديدة، ومدى توفر الموارد والكفاءات والبنية التحتية.

رفع التجميد ودراسة المشاريع خلال 90 يومًا
ومن بين المقترحات التي تحمل طابعا إجرائيا، وضع مسطرة معجلة لدراسة المشاريع المهيكلة، بما يسمح برفع التجميد عن المشاريع التي تستوفي شروطا محددة.
وتقترح الدراسة أن يتم تأهيل المشروع في مدة لا تتجاوز 30 يوما، ثم إجراء دراسة معمقة خلال 90 يوما، قبل المرور إلى مرحلة البت والتنفيذ، وذلك بالنسبة للمشاريع التي تستجيب لشروط واضحة وتتطابق مع قائمة الأولويات الوطنية.
كما تدعو إلى تسريع تخصيص العقار الصناعي للمشاريع القاطرة، وتحديد آجال واضحة للقرارات، مع وضع رزنامة لتنفيذ المشاريع وربط الاستفادة من الامتيازات بمؤشرات قابلة للقياس.
وفي الجانب المالي، تقترح الدراسة إنشاء صندوق وطني للاستثمار المشترك للعناقيد، يكون موجها خصوصا إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالمشاريع القاطرة.
كما تقترح توفير “هندسة تمويل” تسمح بتعبئة التمويل البنكي والتمويل الاستثماري، مع إعداد ملفات معيارية للجدوى التقنية والاقتصادية، بما يقلص آجال دراسة المشاريع ويمنح المؤسسات مرجعية وطنية موحدة أمام البنوك والممولين.
وتتجه التوصيات كذلك إلى اعتماد برنامج وطني للتكوين، وتطوير الكفاءات المرتبطة بكل عنقود، وإنشاء شبكة وطنية للمناولة وربطها بالمشاريع القاطرة.
وتولي الوثيقة أهمية كبيرة للطلب العمومي باعتباره أحد أهم محركات إنشاء العناقيد، وتقترح توجيهه تدريجيا نحو المنتجات والخدمات التي يمكن إنتاجها محليا، وفق معايير الجودة والتنافسية.
كما تدعو إلى إطلاق برنامج وطني للتقييس، حتى تتمكن المؤسسات المحلية من مطابقة منتجاتها للمعايير المطلوبة، بما يفتح أمامها في الوقت نفسه أبواب الأسواق الخارجية.
وتقترح الدراسة اعتماد مفهوم “المحتوى المحلي” ضمن المشاريع العمومية، مع قياس نسبة الإدماج المحلي وربطها بمؤشرات واضحة، بدلا من الاقتصار على احتساب حجم الاستثمار أو عدد المؤسسات المستفيدة.
وفي المجال الجبائي، تدعو الوثيقة إلى الانتقال من التحفيزات العامة إلى تحفيزات مرتبطة بالنتائج، حتى تضمن الامتيازات العمومية تمويل اقتصاد حقيقي وقابل للقياس.
وتقترح “سلة تحفيزات” موجهة للمشاريع المستوفية للشروط، مع إخضاع الاستفادة منها لمعايير تتعلق بالاستثمار، وعدد مناصب العمل، ونسبة الإدماج المحلي، والتصدير، والقيمة المضافة.
كما تشدد على ضرورة اعتماد آليات للنزاهة والشفافية، من بينها مقابلات نزاهة للمشاريع المستفيدة من الامتيازات، بما يسمح بالتأكد من أن الدعم العمومي يوجه إلى مشاريع حقيقية وليس إلى عمليات مضاربة أو استفادة غير منتجة.
وتطرح الدراسة تصورا جديدا للعقار الصناعي داخل العناقيد، يقوم على تخصيصه للمشاريع وفق الأولويات، مع متابعة مدى احترام المستثمرين لالتزاماتهم.
وتقترح تسريع معالجة الملفات العقارية للمشاريع المهيكلة، وربط منح العقار ببرنامج إنجاز ومؤشرات أداء، مع إمكانية سحب الامتيازات في حال عدم احترام الالتزامات.
كما تقترح وضع عقيدة عقارية خاصة بالعناقيد والمرافق المشتركة، بما يسمح بإنشاء مناطق صناعية مجهزة لا تقتصر على الأوعية العقارية، بل تشمل الخدمات اللوجستية والطاقة والمياه ومعالجة النفايات ومرافق التكوين والبحث.
وتخصص الدراسة حيزا مهما لدور مهنة محافظة الحسابات في إنجاح الاستراتيجية، معتبرة أن المهنة يمكن أن تؤدي دورا يتجاوز التدقيق التقليدي إلى المساهمة في بناء الثقة ومرافقة المؤسسات.
وتقترح في هذا السياق اعتماد شهادة معيارية للجدوى التقنية والاقتصادية، وإنشاء مرجعية وطنية لملف التمويل، ووضع مرصد للشعب وخلية دعم، إلى جانب برنامج تكوين متخصص.
كما تحدد خمسة أدوار تعاقدية معيارية للمحافظين في خدمة العناقيد، تشمل التدقيق القانوني للحسابات، ومحافظة الحصص والمزايا الخاصة، وإجراءات الإنذار، والشهادات والتحقيقات الخاصة، والمرافقة في إضفاء الطابع الرسمي على المؤسسات.

مقالات ذات صلة