211 ألف مليار تُسيل لُعاب النواب لصالح ولاياتهم!
في اليوم الثاني من مناقشة مشروع قانون المالية 2026، استأثر الباب السابع المتعلق بالنفقات غير المتوقعة، والمقدّرة بـ211 ألف مليار سنتيم أي نحو 12 بالمائة من الميزانية، باهتمام واسع من النواب، الذين دعوا إلى توجيه جزء من هذا الغلاف لتمويل مشاريع تنموية وخدماتية عبر الولايات، في انتظار أن يقدّم وزير المالية عبد الكريم بو الزرد مساء اليوم الثلاثاء توضيحاته بشأن الميزانية وتوزيعها وأولوياتها.
خلال جلسات مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، تحوّل النقاش داخل قبة البرلمان إلى ساحة لعرض الانشغالات المحلية، حيث ركّز النواب بشكل لافت على باب النفقات غير المتوقعة الذي خصّصت له الحكومة غلافا ماليا ضخما قدره 2118 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 12 بالمائة من ميزانية الدولة.
واستغلّ معظم النواب هذه المناسبة للترافع عن احتياجات ولاياتهم، مطالبين بتوجيه جزء من هذه الاعتمادات إلى بناء المدارس والمستشفيات ومراكز الترفيه، والقضاء على السكن الهش، وإنجاز مرافق علاجية وتنموية خصوصا في ولايات الجنوب والولايات المنتدبة الجديدة، ويبدو أن هذه الجلسات أخذت طابعا سياسيا أيضا، باعتبارها آخر دورة برلمانية قبل الانتخابات التشريعية المنتظرة هذه السنة، ما جعل العديد من النواب يسعون إلى استثمارها لطرح قضايا مناطقهم وإبراز حضورهم الميداني أمام ناخبيهم.
مطالب بتوجيه جزء من “ميزانية المفاجآت” لتحقيق التنمية بالولايات
وفي السياق، ثمّن النائب كمال بوشامة، عن حركة مجتمع السلم مواقف الدولة الجزائرية الثابتة في دعم فلسطين والقضايا الإنسانية العادلة على الصعيد الخارجي، إلا أنه أشار في المقابل إلى أن الواقع الداخلي لا يزال مثقلا بعديد الملفات الاجتماعية والاقتصادية العالقة بالولايات خاصة، على غرار وضعية العمال المنتهية عقودهم، وبطالة بعض حملة الدكتوراه، وضعف أجور عمال النظافة الذين ينتظرون زيادات منصفة، وتحدث بوشامة عن تخصيص 12 بالمائة من ميزانية الدولة للنفقات غير المتوقعة، كما تساءل عن نفاد صندوق ضبط الإيرادات، وقال: “نحتاج إلى ميزانية إنتاج لا تسيير، وإلى آجال واضحة للتجسيد، وعدالة فعلية في توزيع المشاريع التنموية، فولايات مثل غليزان تستحق مشاريع كبرى ومرافق للراحة والترفيه مثلما تستفيد بعض الولايات الميسورة ماليا”، منتظرا تمكينها من ميزانية إضافية مدرجة في باب النفقات غير المتوقعة.
من جهته، دعا النائب سيدي أنراب عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي إلى تحقيق عدالة تنموية متوازنة بين مختلف مناطق الوطن، مؤكدا أن ولايته برج باجي مختار تعاني عزلة تامة لغياب الطرقات الرابطة والمشاريع المنجزة، رغم حصولها على غلاف مالي في سنة 2023 لم يُصرف بعد، وطالب أنراب بـاعتمادات مالية جديدة لتحريك التنمية المحلية، وتسريع تسليم المستشفى بتحويل وصايته إلى وزارة السكن لتجسيده ميدانيا، كما دعا إلى تمويل مشاريع التعليم والصناعة في الجنوب، على غرار إنشاء مصنع للإسمنت في تيمياوين وتحسين أجور العمال في برج باجي مختار، وهو ما يجعل استفادة ولايته أيضا من مبالغ إضافية حتمية.
وغير بعيد عن ذلك، شدّد النائب إسماعيل خاشة عن حركة البناء الوطني على ضرورة تطبيق مقاربة البرامج والأهداف بما ينسجم مع مبادئ الدولة الاجتماعية والاقتصادية، متسائلا عن السياسة النقدية المنتهجة حاليا، واستعرض خاشة جملة من انشغالات ولاية مستغانم، أبرزها رفع مستوى الخدمات الصحية بوسط المدينة من خلال توفير أجهزة سكانير وتوظيف أطباء، مشيرا إلى أن 30 بالمائة من الأطباء في عطلة أمومة أو استيداع، كما دعا إلى تسريع إنجاز مستشفى الأمومة والتوليد، واقتناء مسرعات الأشعة بقيمة 900 مليون دينار، وإنجاز محطة لتصفية المياه المستعملة بعدة بلديات، إضافة إلى تحسين الربط بالكهرباء الريفية وإنشاء طريق اجتنابي لتخفيف الازدحام الحضري، وهو ما يفرض الحصول على ميزانية إضافية أيضا من النفقات غير المتوقعة.
كما ثمّن النائب عدة جعفر عن حزب جبهة المستقبل الميزانية الضخمة الموجهة لتحسين المستوى الاجتماعي والتي تفوق 135 مليار دولار، داعيا إلى منح ولاية معسكر حصة مالية تتناسب مع احتياجاتها في الصحة والتعليم والتنمية المحلية، وطالب جعفر على سبيل المثال بإنجاز ثانوية ببلدية سيدي عبد المومن ومرافق عمومية في قرية سحاولة والمحمدية التي تحتاج إلى محطة برية جديدة، إضافة إلى إعادة فتح المصانع المغلقة، خصوصا مصانع العجائن والمصابيح، كما لفت إلى ضعف ميزانية قطاع الري، داعيا إلى تهيئة محطة تحلية مياه البحر بالمقطع وإنجاز قناة مزدوجة جديدة، مع تسريع برامج السكن الريفي والقضاء على السكن الهش.
وفي ختام المداخلات، عبّر النائب فرحاني بشير، عن كتلة الأحرار، بولاية باتنة، عن أمله في أن تترجم هذه الميزانية الضخمة إلى تحسين فعلي لمعيشة المواطن، داعيا إلى القضاء على البطالة والفقر والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، وإعطاء الأولوية للمناطق النائية التي ما تزال تعاني من اختلالات في التنمية، مع تمكينها من نسبة من الأموال المتواجدة في باب النفقات غير المتوقعة.
أما النائب زكية بوقطوشة من حركة مجتمع السلم فاعتبرت أن القانون المعروض أمام النواب ليس مجرد وثيقة تقنية أو أرقام ضخمة، بل عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن. داعية إلى تحويل الميزانية من “ورقة مالية إلى خطة إنتاج”، واشارت إلى أن المواطن لم يعد يسمع لغة الأرقام، بل يعيش واقعه اليومي، فهناك البعض لا يزال يواجه البيروقراطية، وانتقدت في هذا السياق بشدة الجمود الإداري والبيروقراطية التي تواجه بعض المستثمرين الشباب.