الجزائر
تعقيدات إدارية وقانونية تحول دون إجرائهم عمليات زرع الأعضاء

30 ألف جزائري في طابور “الموت”!

الشروق أونلاين
  • 6623
  • 1
يونس أوبعيش

يواجه عشرات الآلاف من المرضى الذين توقفت أعضاؤهم عن العمل الموت الحتمي والصامت، بسبب قانون زراعة الأعضاء الذي جمد منذ سنة 2010 التبرع من الأموات وخارج الأسرة وبين الأزواج، وهذا ما ضيق عملية التبرع التي لا تتجاوز سنويا 1000 حالة، في حين يوجد أزيد من 30 ألف مريض في قاعة الانتظار يتربص بهم الموت في أي لحظة، بسبب القانون الذي لم يتغير، في انتظار المشروع الجديد الذي طال انتظاره، بسبب تأجيله من سنة إلى أخرى.

 أكد المدير العام للوكالة الوطنية لزرع الأعضاء، محمد بورحلة، أن القانون الحالي يحصر التبرع بالأعضاء في الدائرة العائلية فقط، بعد أن يتقدم الطالب والمانح على مستوى الوكالة، ويتم دراسة التجانس وغيرها، ومتابعتهما للقيام بالتحاليل وغيرها، مؤكدا أنه يمنع على الغرباء، حيث يجب أن يكون الرابط الذي يجمع بين المانحين والطالبين رابط قرابة متين، كاشفا أن أغلبية المانحين هم الأمهات والشقيقات، وبنسبة أقل الآباء والأشقاء، كما أشار إلى أنه يتم متابعة الحالة الصحية لهما بعد الانتهاء من عملية الزرع، وهذه من المهام الموكلة لوكالة زرع الأعضاء، والتي تسهر عليها حفاظا على السلامة الصحية لكلا الجانبين، والتي تتم وفق نظام معلوماتي يدعى “النفيس”.

وفي رده على سؤالنا حول عملية الزرع التي تتم من الأموات إلى الأحياء، قال إن هذا النوع من العمليات توقف بشكل رسمي منذ عام 2010، حيث أجريت آخر عمليتين لزرع القرنية من ميت إلى حي في كل من مستشفى قسنطينة والبليدة، وأرجع السبب لمشروع في طور التحضير يحدد رسميا هذه العملية وفق قوانين رسمية وإجراءات تنظيمية، في مقدمتها التأكد من عدم رفض الميت في حياته للتبرع بأعضائه بعد الممات، وغيرها من الأمور التي تتعلق بالجانب القانوني، خاصة والتي تحدد كيفية نقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء، حتى لا تتم بطريقة فوضوية، وحتى تضمن الجهات المختصة توفر جميع الظروف والشروط اللازمة للقيام بهذا النوع من العمليات، التي يحتاج أيضا أطباء وخبراء ذوي كفاءة عالية، وهو ما يركز عليه المشروع في نقاطه، والذي سيتم تجسيده بعد استكماله واستيفائه كل الإجراءات اللازمة رسميا، حيث إن الوكالة تستقبل المئات من الطلبات التي سجلت في قائمة الانتظار، والتي سيتم معالجتها وفقا للحالات والأولوية، عندما يتم الانطلاق في عمليات الزرع من الأموات.

 

زرع القرنية الأكثر طلبا لدى الوكالة

كشف المدير العام لوكالة زرع الأعضاء، أنه أكثر من 1000 عملية تتم سنويا، مؤكدا أنها في تطور مستمر، حيث سجلت سنة 2015 إجراء 607 عملية زرع للقرنية، 251 زرع للكلى، وأكثر من 300 عملية لزرع الخلايا والأنسجة، مشيرا إلى أن القرنية تأتي في المرتبة الأولى من حيث الطلبات التي تقدم على مستوى الوكالة، كما أن المختصين الجزائريين يملكون خبرة واسعة في هذا المجال، وتعتبر هذه العمليات ناجحة بنسبة 100 بالمئة، وتتم بدقة متناهية ومهنية منقطعة النظير.

 

عمليات الزرع ممنوعة في العيادات الخاصة

كشف محدثنا أن القوانين الرسمية منعت امتهان العيادات الخاصة عمليات زرع الأعضاء البشرية، ورخصت فقط لمجموعة من المراكز والمستشفيات العمومية للقيام بها، وهذا لتفادي التلاعب والتجارة في هذا المجال، الذي يعتبره الكثيرون فرصة للربح السريع والمؤكد، على حساب صحة الكثير من المرضى الذين يعانون ويبحثون عن الاستفادة من الأعضاء بأي طريقة وبأي ثمن، حيث يدفعون أي مبلغ مالي يطلب منهم للحصول على عضو من الأعضاء الذي يعاني من مشكل صحي على مستواه، وهو ما يستغله بعض الأشخاص، الذين يعتبرون بعيدين كليا عن مهنة الطب، لذا منعت الوزارة رسميا على العيادات الخاصة القيام بهذه العمليات على مستواها.

 

أول وكالة لزرع الأعضاء في الجزائر بحاجة إلى تجديد قوانينها

أوضح السيد محمد بورحلة أن وكالة زرع الأعضاء هي  أول وكالة تأسست عن طريق مرسوم 12/167 يحدد إنشاء وتسيير المرافق المختصة في عمليات زرع الأعضاء البشرية، وتم تأسيسها في أفريل 2012 لها صبغة وطنية، من المهام الموكلة لها تسجيل المرضى في انتظار عملية انتزاع الأعضاء، الأنسجة والخلايا ضمن القائمة الوطنية، ووفق بطاقية وطنية لكل المانحين والطالبين، مراقبة نشاطات المراكز الطبية والمستشفيات العمومية المرخص لها بهذا النوع من العمليات، وكذا بنوك الأنسجة والخلايا، تنظيم هذه العمليات حتى لا تثار فوضى في هذا المجال، وكذا إعداد التقارير عن الحصيلة السنوية لعمليات الزرع بمختلف أنواعها وإرسالها لوزير الصحة، وأضاف أن الوكالة بحاجة إلى قوانين إضافية لتنظيم التبرع من الأموات.

 

7  آلاف مريض كلى يتهددهم الموت المحقق!

من جهته؛ أكد رئيس الجمعية الوطنية لأمراض الكلى، البروفيسور سعيداني مسعود، أن 7 آلاف مريض أغلبهم شباب مصاب بالقصور الكلوي في حالة لا يحتمل أصحابها البقاء مطوّلا تحت التصفية، أو ما يعرف بـ”الدياليز”، ويتطلب وضعهم عمليات زرع فورية، غير أن الواقع للأسف الشديد لا يستجيب لهذه الضرورة الصحية، إذ لا يتعدى عدد عمليات الزرع سنويا في بلادنا 200 عملية.

وأضاف البروفيسور سعيداني أنّ الجزائر تحصي 22 ألف مصاب بالقصور الكلوي، حيث تسجّل سنويا 4 آلاف إصابة جديدة، في حين أوضح البروفيسور حاج مزهو دان 4 ملايين جزائري تهددهم أمراض الكلى.

ودافع العديد من المختصين المشاركين في المؤتمر المغاربي للتبرع بالأعضاء، المنظم في طبعته السادسة بالجزائر، عن ضرورة اللجوء المستعجل لعمليات الزرع خاصة من الموتى دماغيا، ويظل هذا بنظر المختصين مشكلا سوسيو ثقافي في كل دول المغرب العربي ودول العالم الأخرى. 

واستشهد رئيس الجمعية الجزائرية لأمراض الكلى بتكاليف علاج مريض واحد في الجزائر، المقدرة بمليون دج في مختلف أنواع الدياليز، بينما عملية الزرع تخفّض هذه الكلفة إلى نحو 50 بالمئة في العام الثاني.

 

الاستثمار في ضحايا حوادث المرور هو الحل

 واقترح المتحدث “الاستثمار” في أعضاء ضحايا حوادث المرور الذين يناهز عددهم 3 آلاف ضحية سنوية عبر الطرقات، يمكن أن يستفيد منهم الكثير من المرضى عن طريق أعضاء عديدة، وليس الكلى فقط.

ما نحتاجه -يقول سعيداني- هو “رفع درجة الوعي فقط لدى أفراد المجتمع”.

سعيداني قال إن بطاقة التبرع في الوقت الحالي لها دور رمزي إداري فقط، وهي غير مفعّلة، فغالبا ما لا تحترم رغبة الميت في التبرع بأعضائه، ويرفض الأهل والمقربون الأمر.

وأوضح المتحدث أنّ إشكالية التبرع بالأعضاء لن تحل بسهولة، بل تتطلّب نصوصا قانونية تنظيمية، مؤكدا أن 14 ألف جزائري فقط زرعت لهم كلى، أغلبهم قام بالعملية في الخارج. وتم في 2016 علاج حوالي 23957 مريض بواسطة تصفية الدم “الدياليز”، ما يمثل  91.8  بالمئة، و2.5 بالمئة بالتصفية البريتونيالية، و5.6 بالمئة عن طريق زرع الكلى.

أما في تونس فالنسبة بلغت 86 بالمئة لتصفية الدم الدياليز، و3 بالمئة بالنسبة للتصفية البريتونيالية، فيما حقق المغرب 97 بالمئة من تصفية الدم الدياليز و0.7 بالتصفية البريتونيالية.

وبلغة الأرقام، فإن العلاج بالتصفية بالدم يفوق 70 بالمئة عبر العالم، وهو ما يضع دول المغرب العربي ضمن المعدلات العالمية للعلاج، أمّا التصفية البريتونيالية، فتقع في المرتبة الثانية عالميا.

 

لهذه الأسباب يمنع القانون الجزائري التبرع بين الأزواج الجدد

من جهته؛ البروفسور حاج مزهود مختص في أمراض الكلى، أوضح أن القانون الجزائري يحدّد المتبرعين بالأعضاء في الوالدين والإخوة والأبناء، أمّا بقية الفئآت فيتحفظ بشأنها لحماية مصالح الآخرين، ومن بينهم الزوجة التي لا يرخص القانون لها بصفة مباشرة للتبرع.

محدثنا فسّر الأمر بحماية المرأة من أي ضغوط قد تتعرض لها من قبل زوجها، أو مساومتها بأسرتها وأولادها في حال رفضت، حتى لا تهتز العلاقة ولا تتأثر، غير أنّه أكد إجراء بعض العمليات من هذا النوع في الحالات الحرجة جدا، حيث تدرس الوضعية جيدا مادام الصورة غامضة لا يوجد مادة تمنع ولا يوجد مادة تسمح، لذا يترك التقدير والتقرير النهائي للفريق الطبي.

وأوضح مزهود في الختام أنّ 50 بالمئة من المرضى الذين يخضعون للدياليز ينحدرون من مرضى السكري و30 بالمئة من مرضى الضغط الدموي و20 بالمئة الباقية من الأمراض الوراثية.

هذا؛ وأبدى بعض الأزواج والمختصين استياءهم من الجانب القانوني الذي يمنع على الزوجة التبرع بكليتها لزوجها، وهو ما كان عائقا كبيرا أمام الكثيرين في إيجاد حل لمعاناتهم أمام انعدام المتبرعين، حتى إنّ ميسوري الحال منهم فضّلوا إجراء العملية في دول مجاورة تسمح قوانينها بذلك، في حين يظل البقية يتجرعون آلامهم ومعاناتهم.

البروفيسور حدوم فريد رئيس مصلحة أمراض الكلى أكّد في هذا السياق، أن الجانب القانوني غير واضح، ولم يحدد من هم الأشخاص المخولون بالتبرع أو الممنوعون منه، لذا فهو كما أكد عليه يقوم بإجراء عمليات من هذا النوع.

وعلّق على الأمر قائلا “لسنا مجرمين لنقوم بأشياء غير أخلاقية”، ونادرا جدا ما نرفض التبرع، يضيف البروفيسور حدوم، وذلك في حالات زواج مصلحة مثلا، عندما نشك في أن الزواج بني على مصلحة التبرع من قبل الزوج المسن، أين تكون الشريكة شابة وتضطر إلى التبرع بأعضائها. 

من جهته؛ بوخرص الناطق الرسمي للفيدرالية الوطنية لعاجزي الكلى أكد أنه “لا توجد أي مادة قانونية تمنع التبرع بين الأزواج.. هناك فقط شروط وضوابط تحدد العملية من أجل تجنب المتاجرة والبزنسة في الأعضاء”.. الأمر كان موجودا في وقت سابق، أين كانت دائرة التبرع ضيقة، لكن بعد سنة 2011 تم الاتفاق مع الجراحين والوصاية على توسيع دائرة المتبرعين.

وبالنسبة للأزواج، طبعا بعض الحالات التي لا تقبل تتعلق بالزواج حديث العهد، فعلى الأقل يتم اشتراط 3 إلى 4 سنوات أقدمية في الزواج لتجنب ما قد يشوب العملية من غش وتحايل على القانون، بالإضافة إلى توقيع اتفاق موثق بين الطرفين.

الإجراء يأتي خدمة للمجتمع وحماية للزوجين معا، اللذين يمكنهما التراجع عن رأيهما، ولو كان ذلك دقائق قليلة قبل إجراء العملية.

مقالات ذات صلة