-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" داخل أحد أكبر مستشفيات الصين بمناسبة "أكتوبر الوردي":

30 ثانية لرصد بؤرة السرطان… أطبّاء جزائريون يتدربون في هانغتشو!

إيمان كيموش
  • 183
  • 0
30 ثانية لرصد بؤرة السرطان… أطبّاء جزائريون يتدربون في هانغتشو!

آلات خفيّة تنقل عيّنات الدم ودقة تشخيص تتجاوز 95 بالمائة في أنواع سرطانيّة

قاعدة بيانات ضخمة تكشف 200 مرض جديد خلال سنوات قليلة

بمناسبة شهر أكتوبر الوردي، وفي وقت يتجدد فيه الحديث عن السرطان وأهمية اكتشافه مبكرا، دخلت “الشروق”، الموجودة في الصين منذ أكثر من شهر، إلى مستشفى جامعة تشجيانغ الطبي الأول في هانغتشو، أحد أبرز المستشفيات الجامعية في الصين، وهناك اكتشفنا أن التكنولوجيا لم تعد شيئا منفصلا عن عمل الطبيب، بل أصبحت حاضرة في أدق التفاصيل، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحدد خلال ثوان بؤرة سرطانية داخل صورة مرضية، وعينة الدم التي يسحبها الممرض من المريض يمكن أن تغادر القسم وتصل إلى المختبر عبر نظام آلي من دون أن يحملها أحد، فيما تتحرك الأدوية والمستلزمات داخل المستشفى بأنظمة ذكية، وتجمع أجهزة العناية المركزة معلومات المريض باستمرار، لكن المفاجأة الأكبر كانت في وجود أطباء جزائريين يتلقون تكوينهم هنا، في قلب هذه التجربة، ليتعلموا كيف تستخدم هذه التقنيات في التشخيص والعلاج والمتابعة، ثم يعودوا إلى الجزائر بخبرة شاهدوا تطبيقها بأعينهم.

كان بعد ظهر يوم مشمس حين وصلنا إلى المستشفى، وعند المدخل كان في استقبالنا وفد من الأطباء وإدارة المؤسسة، فيما كانت حركة المرضى والزوار مستمرة من دون توقف، آلاف الأشخاص يدخلون ويخرجون من الأقسام، ومع ذلك لم تكن هناك تلك الفوضى التي يمكن أن يتوقعها المرء في مستشفى بهذا الحجم، فالمريض يعرف أين يتوجه، والحجز والفحص والدفع والنتائج مرتبطة بمنظومة إلكترونية واحدة، والمستشفى الذي تأسس سنة 1947 أصبح اليوم مؤسسة ضخمة تجمع بين العلاج والتعليم والبحث العلمي، وتضم قرابة 5 آلاف سرير، وتعمل فيها أكثر من 10 آلاف كفاءة، وتضم أكثر من 70 تخصصا طبيا، استقبل خلال سنة 2024 نحو 9.38 مليون زيارة في العيادات الخارجية والاستعجالات، فيما تجاوز عدد حالات الاستشفاء 395 ألف حالة، وأجريت به 174 ألف عملية جراحية،  حسب بيانات المؤسسة نفسها.

بدأنا جولتنا من مركز الرعاية الصحية الدولية، حيث يستقبل المستشفى المرضى القادمين من خارج الصين، وهناك كانت أول ملاحظة، المريض لا يحمل قصته الطبية معه في ملف ورقي من قسم إلى آخر، فنتائج الفحوص والعلاجات والتشخيصات تحفظ رقميا، وإذا انتقل إلى طبيب آخر يستطيع هذا الأخير الاطلاع على تاريخه الطبي، وهو أمر مهم خصوصا للحالات التي تحتاج إلى متابعة طويلة أو أكثر من اختصاص، لأن الطبيب يجد أمامه صورة متكاملة عن المريض بدلا من أن يبدأ من جديد، لكن المفاجآت بدأت فعليا عندما انتقلنا إلى المنطقة التي تعمل فيها الأنظمة الذكية خلف الكواليس، فالعامل الذي يسحب عينة الدم لا يضطر إلى حملها عبر الممرات، توضع في حاوية خاصة، يضغط على زر، ثم تبدأ رحلتها نحو المختبر عبر شبكة نقل آلية، وفي مكان آخر تتحرك المستلزمات الطبية عبر روبوتات مخصصة لذلك، وهي تفاصيل لا يراها المريض غالبا، لكنها تختصر الكثير من الوقت والأعمال اليدوية، وتجعل العاملين أكثر تفرغا لما يحتاج إلى وجود الإنسان.

وفي العيادات الخارجية، بدا أثر هذه المنظومة أوضح، فالمريض يستطيع التسجيل والحجز والدفع عبر أجهزة الخدمة الذاتية، باستخدام بطاقة الهوية أو جواز السفر، كما تستخدم تقنيات التعرف على الوجه في بعض الخدمات، وبعد ذلك توجهه المنظومة إلى القسم والطابق المطلوبين، والنتائج تعود إلى ملفه الإلكتروني، فلا يبقى المريض يتنقل بين الشبابيك حاملا أوراقه، وهي طريقة تفسر إلى حد كبير كيف يمكن لمستشفى بهذا الحجم أن يستقبل أعدادا كبيرة من المرضى تتجاوز من دون أن تتحول كل زيارة إلى ساعات من الانتظار.

هكذا يتم اكتشاف سرطان البنكرياس في بداياته

في قسم الأشعة تغير المشهد، فهنا رأينا الذكاء الاصطناعي وهو يعمل أمامنا، وليس في عرض عن المستقبل، صور الأشعة تظهر على الشاشات، والنظام يبحث داخلها عن مناطق غير طبيعية ويضع عليها علامات تلفت نظر الطبيب، سواء تعلق الأمر بالبنكرياس أو الأوعية الدموية أو الشرايين التاجية أو شرايين الدماغ، أي أن الطبيب لا يترك وحده أمام صورة كبيرة مليئة بالتفاصيل، فالآلة تبحث أولا عن النقاط التي تستحق مزيدا من التدقيق.

ومن بين التطبيقات التي شرحها لنا الفريق الطبي استخدام الذكاء الاصطناعي في المساعدة على اكتشاف سرطان البنكرياس، وهو من السرطانات التي قد يكون اكتشافها في مرحلة مبكرة صعبا، ووفقا للبيانات التي عرضها علينا الأطباء، ساعد النظام في رفع قدرة الكشف في الاختبارات المعروضة من نحو 25 بالمائة إلى 57 بالمائة، ليصبح أكثر قدرة على لفت انتباه الطبيب إلى المناطق التي قد تمر من دون ملاحظة.

والأكثر إثارة ظهر لنا في قسم علم الأمراض، حيث يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي الحديث تحديد بؤر سرطانية صغيرة داخل الصور المرضية خلال ثوان، وقد أعلن المستشفى عن نظامه “أومني بي تي” القادر على تحديد البؤرة خلال 1 إلى 3 ثوان، كما أظهرت اختبارات متعددة دقة تتجاوز 95 بالمائة في تشخيص عدد من السرطانات.

وعرض لنا الأطباء أيضا حالة رجل يبلغ 58 سنة كان يعاني من آلام في الصدر، وخلال تحليل الصور ظهرت منطقة باللون الأحمر على الشاشة، لم يكن اللون تشخيصا بحد ذاته، وإنما إشارة إلى المكان الذي يحتاج إلى انتباه الطبيب، وبعد دراسة الحالة والتأكد منها اتخذ الفريق الطبي القرار المناسب وأجريت العملية، وهنا تظهر الفكرة ببساطة، الذكاء الاصطناعي لا يمسك بالمشرط، لكنه قد يساعد الطبيب على رؤية شيء لم يكن من السهل أن يراه وسط آلاف التفاصيل.

صيدلية “بلا صيادلة” وروبوتات بالعناية المركزة

ومن الأشعة انتقلنا إلى الصيدلية، حيث تعمل الأنظمة الآلية في تجهيز الأدوية والتعامل مع كميات كبيرة من الوصفات، وكلما ارتفع عدد المرضى، أصبحت سرعة تجهيز الدواء ودقته أكثر أهمية، لذلك تدخلت التكنولوجيا أيضا في هذه المرحلة، لتقلل الأعمال المتكررة وتختصر الوقت بين وصف الدواء ووصوله إلى المريض، وفي العناية المركزة، تصبح كل ثانية أكثر أهمية، وهنا لا تتوقف الأجهزة عن إرسال المعلومات، فنبض المريض وضغطه ونسبة الأكسجين واستجابته للعلاج وغيرها من المؤشرات تتجمع بصورة مستمرة، ويقوم النظام بترتيب هذه المعلومات وعرضها أمام الطبيب، بدلا من أن يبحث عنها بين عشرات الشاشات والبيانات.

شرح لنا نائب مدير وحدة العناية المركزة أن الذكاء الاصطناعي يساعد الفريق على جمع هذا الكم الكبير من المعلومات وتحليلها بسرعة، ومتابعة تغير حالة المريض مع مرور الوقت، فإذا بدأ علاجا معينا يمكن متابعة استجابته، وإذا لم تكن النتائج مناسبة يستطيع الطبيب إعادة تقييم الخطة العلاجية، فالآلة تجمع وتحلل، لكن الطبيب هو الذي يقرر، وفي هذه الوحدة أيضا تظهر فائدة الأنظمة الآلية في نقل الدم والعينات والمستلزمات، فبدلا من أن يضطر الموظف إلى الانتقال بين الأقسام في كل مرة، يمكن للنظام أن يتكفل بجزء كبير من هذه المهمة، وتنتقل المعلومات إلكترونيا في الوقت نفسه، ليصبح العمل داخل المستشفى أشبه بشبكة واحدة تعمل في الخلفية، حتى وإن كان المريض لا يرى منها شيئا.

اكتشاف 200 مرض جديد لا تعرفها البشرية

أما قسم علم الأمراض، فكان من أكثر المحطات إثارة، وهناك التقينا طبيبا أخبرنا أنه عمل نحو ثلاثين سنة في مستشفيات الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى الصين، وشرح لنا حجم الضغط الذي يواجهه أطباء هذا التخصص، فالعينة الصغيرة قد تحتوي على آلاف التفاصيل، والطبيب مطالب بأن يلاحظ بينها التغير الذي يمكن أن يكشف مرضا خطيرا، ولهذا أصبحت الصور المرضية الرقمية والذكاء الاصطناعي جزءا من العمل، فبدلا من أن يقضي الطبيب وقتا طويلا في البحث داخل الصورة، يستطيع النظام أن يحدد له المناطق التي تستحق النظر أولا، وفي بعض السرطانات أصبح قادرا على تحديد البؤر الصغيرة خلال ثوان.

وفي المستشفى، قاعدة بيانات ضخمة من الصور والملفات المرضية، ويستخدم الباحثون هذه البيانات في تدريب النماذج الذكية على التعرف إلى أنماط مختلفة من الأمراض، كما طورت فرق المستشفى وجامعة تشجيانغ نظام “أومني بي تي” ليجمع بين تحليل الصورة وفهم المعلومات الطبية، ولا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت هناك إصابة، بل يمكن أن يساعد في التصنيف وتحديد درجة المرض وبعض المؤشرات المرتبطة بمآله.

وقال لنا الفريق إن أبحاث القسم قادت خلال السنوات الأخيرة إلى التعرف إلى نحو 200 مرض أو حالات مرضية جديدة، وهي معلومة ينبغي أن تظل مرتبطة بما قصده الأطباء تحديدا عند الحديث عن “الاكتشاف”، لكن اللافت أن المستشفى لا يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لتسريع التشخيص، وإنما يحوله أيضا إلى أداة للبحث العلمي، فكل صورة وكل عينة وكل حالة يمكن أن تضيف معلومة جديدة إلى قاعدة البيانات التي يتعلم منها الباحثون.

وبين قسم وآخر، بدأت الصورة تكتمل أمامنا، الروبوتات هنا ليست آلات ضخمة تسير بين المرضى، وإنما شبكة من الأنظمة التي تعمل في الخلفية، عينة دم تتحرك وحدها، مستلزمات تصل إلى الأقسام آليا، صورة طبية يجري تحليلها خلال ثوان، وبيانات المريض تتجمع أمام الطبيب، بينما يبقى الإنسان في مركز العملية الطبية.

أطباء جزائريون في قلب الطب الذكي بالصين...

وفي هذا المكان نفسه، يتلقى أطباء جزائريون تكوينا ضمن برامج التعاون الصحي، ففي جوان 2026 أطلق مركز التعاون الصيني ـ العربي للعلوم والتكنولوجيا في مجال الصحة العامة خطة لتطوير الكفاءات، وكان من بين المشاركين متدربون من جامعة العلوم الصحية في الجزائر، في خطوة انتقل فيها التعاون من مجرد تبادل الزيارات إلى تكوين الكفاءات داخل المستشفيات الصينية.

واللافت أن الطبيب الجزائري لا يتعلم التكنولوجيا من كتاب أو محاضرة فقط، وإنما يراها أمامه وهي تعمل، يدخل قسم الأشعة فيجد الذكاء الاصطناعي يساعد الطبيب على قراءة الصورة، وينتقل إلى علم الأمراض فيرى البؤر السرطانية تحدد خلال ثوان، ثم يصل إلى العناية المركزة ليرى كيف تجمع الأنظمة معلومات المريض، ويشاهد في الممرات كيف تنتقل العينات والمستلزمات من دون أن يحملها الموظفون يدويا.

وشملت برامج التكوين تخصصات متعددة، من جراحة الكبد والقنوات الصفراوية والبنكرياس إلى الأمراض المعدية وأمراض الدم والكلى والقلب والجهاز الهضمي، وخلال السنة الأولى، استفاد أكثر من 150 متدربا من برامج التكوين، بينما تستهدف خطة الكفاءات التي أطلقت في جوان تكوين ألف من الكفاءات الصحية خلال خمس سنوات.

وهكذا لا يعود الطبيب الجزائري من الصين حاملا شهادة فقط، وإنما يعود وقد رأى طريقة عمل منظومة كاملة، كيف يستقبل المريض، كيف تحفظ معلوماته، كيف تنتقل عينته، كيف تساعد الآلة الطبيب في قراءة الصورة، وكيف يمكن للبيانات المتراكمة أن تتحول إلى بحث واكتشاف جديد.

وعندما غادرنا المستشفى، بقي المشهد الأكثر وضوحا، التكنولوجيا هنا لا تظهر فقط في جهاز كبير أو روبوت يلفت الأنظار، وإنما في أشياء صغيرة تحدث طوال اليوم ولا يلاحظها المريض، عينة دم تتحرك وحدها، صورة مرضية يحدد فيها النظام موضعا صغيرا خلال ثوان، دواء يجري تجهيزه آليا، وطبيب أمام شاشة تصله في اللحظة نفسها معلومات كانت تحتاج في السابق إلى وقت أطول لجمعها.

وبين كل ذلك، كان وجود الأطباء الجزائريين هو الجزء الذي يربط التجربة الصينية بالجزائر، فهم لا يأتون لمشاهدة مستشفى متطور ثم يغادرون، وإنما يدخلون الأقسام نفسها ويتعلمون من أطبائها، وبعد عودتهم يمكن أن تنتقل معهم طريقة جديدة في التعامل مع التكنولوجيا، لتصبح التجربة التي بدأت في هانغتشو معرفة يمكن أن تجد طريقها، خطوة بعد أخرى، إلى المستشفيات الجزائرية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!