400 نوع من التمور الجزائرية يجهلها المواطنون!
تعتبر فاكهة التمر كنزا حقيقيا، لغناها بعناصر غذائية مفيدة، واختلاف أنواعها بحيث تملك الجزائر أكثر من 400 نوع من التمور، زيادة على دخول بقاياها في إنتاج أسمدة للتربة وأعلاف حيوانية ومربى وقهوة وعسل وحتى شوكلاطة وخل.. كما أنها ركيزة “المقايضة” مع دول إفريقية مجاورة، وهذا ما يجعل التمر مصدر ثروة وتنوع اقتصادي، ما يستلزم تعزيز الجهود لتنظيم هذه الشعبة واستغلالها أكثر.
اختتمت فعاليات الطبعة الثانية للصالون الدولي للتمور، المنظمة بقصر المعارض “صافكس” بالجزائر العاصمة، السبت، والذي شارك فيه أكثر من 180 عارض والكثير من الفاعلين والمتدخلين في هذه الشعبة، من منتجين ومخزّنين وموضّبين، إضافة إلى المصدّرين والمحولين وحرفيين محليّين، علاوة على مشاركة عارضين من بلدان أجنبية على غرار تونس وليبيا وتركيا.
وتجوّلت “الشروق” بين مختلف أجنحة العارضين، القادم أغلبهم من ولايات الجنوب للمشاركة في هذه الطبعة الثانية، تحت رعاية وزارة الفلاحة والتنمية الريفية، وحملت شعار “تمورنا.. أصالة واقتصاد مستدام”.
وخلال جولتنا اكتشفنا، فعلا، بأن فاكهة التمر تمثل الاقتصاد المستدام، من خلال أهميتها الكبرى في حياة سكان الجنوب خاصة والجزائر عامّة.
“تنطبودت”..التمر الأسود المتفوّق على “العجوة” السعودية
بدأنا جولتنا من جناح ولاية المغيّر، بحيث اكتشفنا عشرات أنواع التمر من مختلف الأشكال والألوان والتسميات والتي لم يسبق لنا مشاهدتها.. وهناك كشف لنا ممثل التعاونية الفلاحية “الواحات” بمنطقة جامعة، على أن ولاية المغيّر لوحدها تضم أكثر من 400 صنف من التمور وقد أحضروا للمعرض 165 نوع منها، وهو الأمر الذي أثار فضول زوار معرض التمور والذين وجدناهم يتساءلون عن خصائص كل صنف من التمور، بينما تبدأ الأسعار انطلاقا من 150 دج إلى غاية 700 دج للكلغ، وذلك حسب نوعية وجودة التمور.
بداية، أخبرنا محدّثنا على أن فاكهة التمر تعتبر غذاء كاملا، لغناها بعنصري السكر الصحي والألياف، وهو ما يجعلها تعدّ من بين أحسن الفواكه، بينما في ولاية المغير يعتبر التمر من نوع “تينيسين” و”تنطبودت” الأكثر طلبا..و”تنطبودت” تمر ذو لون أسود يشبه حبات الزيتون، ولا يختلف عن تمر “العجوة” السعودية، لكنه يتفوق عليها من ناحية اللذة والفائدة الغذائية.
تسويق خل التمر.. لأول مرة
وشدّت مختلف أنواع المربى المستخلصة من فاكهة التمر انتباه العائلات الزائرة للمعرض، والتي كانت تتذوق من العلب مبدية إعجابها بطعمها، لدرجة أن كثيرين اقتنوها، لأن منظمي المعرض يتيحون عملية الشراء للمواطنين، من خلال مخزن مجاور. كما عرضت التعاونية في جناحها خل التمر الخام والعادي والذي يعتبر تجربة جديدة لها وهو في بداية تسويقه للمستهلكين.
ولأن كثيرين لا يعرفون مصدر تسمية التمر الجاف الأصفر بـ”القرباع”، فتم إخبارنا بأن الاسم هو نسبة للصوت الذي يحدثه التمر الجاف عند سقوطه أي “يقربع”.
وعرضت التعاونية الفلاحية “الواحات”، لزوارها بعض الأعشاب الطبية المشهورة في ولاية المغيّر، ومنها عشبة “النّيم” والتي أخبرنا محدثنا بأنها تعتبر أفضل طارد لمختلف أنواع الحشرات مثل البعوض والذباب، بل هي تتفوق على المبيدات الكيماوية التي نستعملها حاليا، كما تعتبر علاجا فعّالا لقشرة فروة الرأس، وأصل هذه العشبة من قارة آسيا ويتم زراعتها في جنوبنا.
“تقربوش”.. تمر قليل الحلاوة مناسب لمرضى السكري
انتقلنا بعدها إلى جناح ولاية تيميمون، والتقينا مع فلاح ومربي إبل، محمد تومي، والذي وجدناه غارقا في الإجابة على تساؤلات المواطنين، الذين قصدوا الجناح بكثرة، لعرضه مختلف مشتقات التمور، ومنها مختلف أنواع المربى، حلويات “الكعبوش” و”الرفيس” المصنوعة من التمر.
وبدوره، عدّد لنا تومي أنواع التمور التي تنتجها ولاية تيميمون والتي تبلغ 130 نوع، على رأسها تمر “تيلمسو” أو ما يدعى “الحميرة” المطلوبة محليا، وأيضا تمر “تقربوش” المعروف بقلة السكر فيه وهو مفيد لمرضى السكري، إضافة إلى “دقلة جدير” المعروفة بطول مدة تخزينها.
وأرجع محدثنا، أسباب عدم وصول بعض أنواع التمور إلى ولايات الشمال، بسبب إنتاجها المبكّر والذي يبدأ في مناطق الجنوب في الفترة بين بداية جويلية إلى نهاية شهر سبتمبر، والمعروفة بحرارتها المرتفعة، وهو ما قد يعرض أنواع التمور سريعة التلف لأن تفسد في الطريق، وأيضا لغياب أسواق متخصّصة في مدن الشمال لاحتواء كميات التمور الكبيرة، وهو الأمر الذي جعل محدثنا يدعو بدوره للتفكير في إنشاء سوق للتمور بكل ولاية عبر الوطن.
قهوة نواة التمر.. صحية وطبيعية 100 بالمائة
أما ولاية عين صالح المعروفة بإنتاج 112 نوع من التمور، منها 48 نوعا تم عرضها بجناح الولاية بالمعرض الدولي للتمور، فيقول فلاح وممثل عن الولاية، بطير الحاج إبراهيم، بأن أكثر أنواع التمر التي يتم تصديرها من عين صالح، هي تمر “أغار” الموجود فقط في هذه المنطقة والمعروف بذوقه المميز، فيتم تصديره نحو فرنسا وسويسرا. أما تمر “تقربوش” المعروف باعتدال نسبة السكر فيه، فيسوّق إلى ولايات الشمال.
أما بالنسبة لأنواع التمور التي تذهب للمقايضة مع دول إفريقية، فهي “تناصر”، “تقازا”، “الغرس”، “حرطال”..
واكتشفنا في جناح ولاية عين صالح، ولأول مرة وجود قهوة التمر، والتي تحضّر عن طريق الحرق البطيء لنواة التمر، وعنها يقول الحاج إبراهيم: “هي قهوة صحية وطبيعية 100 بالمائة ومطلوبة وسط السكان المحليين، وتصل أسعارها إلى 500 دج لـ250 غرام”.
وجهتنا التالية، كانت جناح مركز البحث العلمي والتقني للمناطق القاحلة بولاية بسكرة، وهو مركز عمومي مهمته البحث وتطوير مختلف مجالات التمور، ودراسة المناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر.
علف حيواني وسماد طبيعي من بقايا التمور
وحسب ما كشف عنه الباحث ومدير قسم التطور الاقتصادي والاجتماعي بالمركز، الدكتور صالح محمد كمال، في تصريح لـ”الشروق”، فإن المركز يحوز براءة اختراع تخص تطوير علف حيواني للأنعام والدواجن مستخلص من بقايا التمور ومواد محلية، وهذا العلف أثبت فعاليته في الميدان، ويتمنى الباحث تعميم استعماله من طرف المربين والفلاحين، في ظل الغلاء الذي تعرفه أسعار الأعلاف المستوردة، وتحدث أيضا عن سماد طبيعي يسمى “البيوشار” مستخلص من جريد النخيل، والذي أثبت بدوره فعالية عند استخدامه في جميع الزراعات.
وأبرم ممثلو مركز البحث العلمي والتقني للمناطق القاحلة، اتفاقيات مع مستثمرين ومتعاملين اقتصاديين من خلال المعرض، وهو ما يبرز أهمية تنظيم مختلف المعارض الاقتصادية، للتعارف والترويج وعقد الاتفاقيات، وهو ما يؤكده الدكتور صالح محمد كمال قائلا: “نتمنى زيادة عدد المعارض الاقتصادية عبر مختلف الولايات، لتقريب المتعاملين، واحتكاك المنتجين مع المستهلكين”.
تمر “تلمسو” غني بالحديد.. مفيد للحوامل والمرضى
قصدنا بعدها جناح معهد الأبحاث والتجارب الفلاحية بولاية أدرار، أين استقبلنا رئيس المحطة، عبد القادر معرّف، والذي كشف لنا بأن أدرار تنتج حوالي 476 نوع من التمور موزعة على مناطق تذكلت، توات وقورارة، وخصائص كل نوع تختلف حسب مورفولوجية الذوق ونوع النخلة.
وقال معرّف: “مثلا، تمر تقازة غني جدا بمادة البروتين وربما هو أفضل من دقلة نور من حيث مكوناته، أما تمر تلمسو، فينصح به للنساء الحوامل والمرضى، لأنه غني جدا بعنصر الحديد المفيد للجسم، بينما تمر تتقور مميز من ناحية الحلاوة، أما دقلة بوزيد، فتحتوي على نسبة سكر منخفضة وبالتالي، يمكن لمرضى السكري تناولها من دون خوف”.
وذكر محدثنا، بأن معرض التمور عرف إقبالا كبيرا من طرف المواطنين والعائلات المرفوقة بأطفالها، والذين كانوا يطرحون على العارضين أسئلة كثيرة حول التمور أنواعها وفوائدها، بل ويشترون كميات منها، وهو ما جعله يؤكد بأنه للمعارض أهمية كبيرة، كونها تعرّف سكان ولايات الشمال بمختلف الأصناف المحلية للتمور، والتي يجهلونها.
منصات رقمية للترويج للتمور الجزائرية
ولأن منتجي التمور يجدون صعوبة في تسويق مختلف الأصناف للمستهلكين، خاصة في ولايات الشمال لجهلهم بها، تم التفكير في إنشاء منصات رقمية لتسويق التمور، ومنهم المدعو محمد موفق، صاحب منصة رقمية مختصة في تسويق مشتقات التمور الجزائرية، والذي أكد لـ”الشروق” بأنه يسوّق وعبر اتفاقيات مع المنتجين، لمنتوج سكر التمر بمختلف المعطرات والأذواق، عسل ودبس التمر، وفاجأنا بوجود شوكولاطة التمر والتي لا تختلف من حيث طعمها عن الشوكولاطة العادية، ويؤكد موفق، أن المميز في مشتقات التمر، أنها “صحية وطبيعية بدون إضافات كيميائية”.
التمور الجزائرية تكتسح العالم
ولأنّ ولاية وادي سوف، معروفة بإنتاجها الوفير للتمور مقارنة ببقية مناطق الجنوب، فيركّز منتجوها على عملية التصدير بعد تحقيق اكتفاء محلي خاصة بالنسبة لنوع “دقلة نور”، وهو ما كشف عنه عارض للتمور ممثل لشركة “المروج”، أسامة سبتي، والذي كشف لنا أن أبرز زبائنهم من دولة روسيا ثم فرنسا وإسبانيا، مما يجعل التمور، حسب قوله “أهم مصدر للعملة الصعبة للجزائر بعد البترول والغاز، في حال تمّ الاهتمام بهذه الشعبة وتنظيمها أكثر”.
وتطرق محدثنا لمشكل الأسعار، بحيث أكد عدم وجود تنسيق بين المنتجين حول تحديد أسعار التمور ما يجعلها متذبذبة، “فالبعض يخفضها كثيرا وآخرون يرفعونها، مع عدم وجود أسواق معروفة للتمور يقصدها الزبائن من خارج الولايات المنتجة، فتغيب المنافسة بينهم”.
وهو ما جعل سبتي يدعو لاهتمام السلطات بعملية التسويق الخارجي، على اعتبار أن التمور الجزائرية “مطلوبة جدا في أسواق عالمية خاصة في أوروبا وأمريكا، وهي أفضل في الجودة من نظيرتها من دول الخليج وبأشواط”.
كما تعتبر عملية منح تسهيلات جمركية أكثر ومزيد من الإعفاءات الضريبية لمصدّري التمور، حسب ممثل شركة “المروج” “من أهم السبل لإنعاش التجارة الخارجية للتمور وجني العملة الصعبة، مع زيادة عدد المعارض التي تنظم دوريا عبر مختلف ولايات الوطن”.