45 ألف شهيد لم تبصرهم عينُ ماكرون بعد 81 عاما من الجريمة!
بدا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وهو يصافح ويوزع الابتسامات ويلتقط الصور مع المشاركين في مراسم إحياء الذكرى الـ81 لانتصار الحلفاء 8 ماي 1945، في ساحة “قوس النصر” بباريس، كأنه لم يتذكر كثيرا الـ45 ألف جزائري الذين سقطوا في تلك المجازر سنة 1945 في كل من سطيف وقالمة وخراطة.
فلم يعترف ماكرون بهذه الجرائم الاستعمارية الثابتة والتي أكد الرئيس، عبد المجيد تبون في رسالته بمناسبة إحياء اليوم الوطني للذاكرة المخلد للذكرى الـ81 لمجازر الثامن ماي 1945 على أنها “إحدى أبشع المجازر وجرائم الإبادة ضد الإنسانية في العصر الحديث”.
رغم ذلك، لم يعترف ماكرون رسميا بهذه المجازر، وهو الذي سبق له وأن صرح في مقابلة مع قناة “الشروق نيوز” في فيفري 2017، حين كان مترشحا للرئاسيات أن “الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات”.
من فعاليات إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1954 أمام المعلم التذكاري للشهيد سعال بوزيد في ولاية سطيف، 8 ماي 2026. صورة: وزارة المجاهدين.
اليوم، وبعد قرابة العشر سنوات من هذه التصريحات، وقبل عام عن مغادرته لقصر الإليزيه، يكتفي الرئيس الفرنسي بتقديم اعترافات جزئية حول جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر من 1830 إلى 1962.
فاكتفى الرئيس الفرنسي بمناسبة الثامن من ماي بتكليف الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش والمحاربين القدامى، أليس روفو، بزيارة الجزائر والتوجه “إلى سطيف لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية”، وفقا لبيان الإليزيه، والذي أضاف: “بينما كان الفرنسيون يحتفلون بتحريرهم، تم قمع المظاهرات في سطيف وقالمة وخراطة خلال عدة أسابيع مما تسبب في سقوط آلاف الضحايا”، هكذا كتب الإليزيه في بيان، واصفا ما حدث في 8 ماي 1945 من مجازر خلفت 45 ألف شهيد بـ”الأحداث المأساوية” و”القمع”.
كما أعلن البيان عن عودة السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتي إلى الجزائر “وسيعمل على جميع جوانب تعاوننا الثنائي انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل”.
إعادة السفير الفرنسي الذي استدعته باريس في أفريل 2025، وصفته صحيفة “لوموند” الفرنسية في مقال لها أمس بأنه “عرض جديد للتهدئة السياسية والذاكرية الموجهة للجزائر”.
وبينما تطالب الجزائر فرنسا باعتراف رسمي وصريح بكافة جرائم الاستعمار (1830/1962)، تكتفي باريس باعترافات في بعض الوقائع التاريخية بشكل جزئي.
ووفقا لهذه المقاربة الفرنسية، اعترف ماكرون رسميا بمسؤولية فرنسا في سبتمبر 2018 عن مقتل المناضل من أجل استقلال الجزائر موريس أودان في 1957.
كذلك اعترف في مارس 2021 بتعرض المناضل والمحامي علي بومنجل للتعذيب والقتل على يد الجيش الفرنسي عام 1957، كما اعترف في نوفمبر 2024 “بأن العربي بن مهيدي، البطل الوطني للجزائر وأحد قادة جبهة التحرير الوطني الستة الذين أطلقوا ثورة الأول من نوفمبر 1954، قتله عسكريون فرنسيون كانوا تحت قيادة الجنرال بول أوساريس”.
أما بخصوص مجازر 8 ماي 1945 التي استشهد فيها 45 ألف جزائري، فلم تذهب باريس وماكرون أبعد من خطوات رمزية. فبعد أن ظلت هذه المجازر مهمشة في التاريخ الرسمي الفرنسي، وصفها السفير الفرنسي بالجزائر هوبير كولان دو فيرديير في محاضرة له في فيفري 2005، في جامعة سطيف بأنها “مأساة لا تُغتفر”.
ليتبعها حضور وزير الدولة الفرنسي المكلف بشؤون قدامى المحاربين، جان مارك توديسكيني، في ماي 2015، بسطيف كأول مسؤول حكومي فرنسي يشارك في إحياء الذكرى، حيث وضع إكليلا من الزهور على قبر سعال بوزيد.
ولا تقتصر مطالبة فرنسا بالاعتراف رسميا بجرائمها في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية، ومنها مجازر 8 ماي 1945، بالطرف الجزائري، فحتى في فرنسا هناك العديد من الأصوات المطالبة بذلك، من مؤرخين، فاعلين في المجتمع المدني وسياسيين.
إقرأ أيضا – برلمانيّون فرنسيون: على باريس الاعتراف بجرائم الدولة في الجزائر
فشارك العام الماضي، وفي ظل الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس، وفد من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي، والمنتخبين المحليين الفرنسيين، في مراسيم إحياء ذكرى المجازر بسطيف، وذلك في إطار مجموعة عمل برلمانية فرنسية تم إطلاقها يوم 8 ماي 2024، وهدفت إلى الدفع نحو اعتراف رسمي بالمجازر التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
واعتبر السيناتور رافاييل دوبي المشارك ضمن الوفد الفرنسي، في إفادة آنذاك لـ”الشروق”، أنه من غير المقبول غياب تمثيل رسمي فرنسي عن الحدث، وقال “لطالما اعتبرت أنّ صدقية الخطاب الفرنسي تمرّ عبر تحمّل مسؤوليتنا التاريخية. أن تكون قدوة يعني ألا تُنكر الحقائق، حتى في أكثر فصول تاريخنا ظلمة. من هنا، رأينا – أنا وزملائي في مجلس الشيوخ – أنه من واجبنا المساهمة في استمرارية الذاكرة الوطنية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين السلطات التنفيذية في البلدين نوعا من التوتر”.