الرأي

5 مؤشرات عن فشل مشروع إعادة رسم الشرق الأوسط؟

محمد سليم قلالة
  • 190
  • 0

يبدو أن السؤال المطروح اليوم لم يعد: هل نحن بصدد التوجه نحو إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟ أو: ما الشكل الذي سيأخذه هذا الشرق الأوسط بعد هذا العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران؟ وما الحلقات الأضعف التي ستتأثر جراء نتائج الحرب؟ والحلقات الأقوى التي يزداد نفوذها؟ وما البدائل أمام دول المنطقة، للتعاطي مع الوضع القادم لما بعد الحرب؟
الملاحظة المركزية التي ننطلق منها لرسم مشاهد المستقبل لهذه المنطقة، تقول إن الهدف الأول من شن العدوان على إيران لم يتحقق لِلحليفين الأمريكي والصهيوني، أي عدم التوصل إلى إسقاط النظام الإيراني القائم، والفشل في إقامة نظام حكم بديل، يكون مواليا تماما لهما. كان هذا الهدف، لو تحقق، سيسمح بالفعل لِلحليفين بإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بالقلم والمسيطرة، كما يريدان، وبما يخدمهما معا في جميع المناحي: تطبيع تام مع الكيان، بما في ذلك سورية ولبنان وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، تكريس الكيان كقوة مهيمنة عسكريا وتكنولوجيا، التحكم في جميع مصادر الطاقة بالشرق الأوسط، ومن ثم خنق الصين، سواء من حيث إمدادات الطاقة، أم اتساع مجالات استثماراتها في المنطقة، أم من حيث وضع حواجز كبيرة أمام طريق الحرير، ثم في المقام الثاني، محاصرة روسيا من الجنوب والاقتراب من حدودها عبر بحر قزوين. وفي المقام الثالث، ليّ ذراع كل من اليابان (رغم أنه حليف)- من زاوية أنه الدائن الأول للولايات المتحدة- ثم الهند من زاوية أن الأوضاع قد تتبدل بهذا البلد في حال سقوط الحكومة الحالية الموالية لهما. وفوق كل هذه الأهداف، قَبر القضية الفلسطينية لعقود وتحويلها إلى مجرد قضية لاجئين ومجموعات سكانية في غزة تحتاج مساعدات.. وكتحصيل حاصل، طرد السلطة الفلسطينية من رام الله… هذا المشهد، كان سيكون مطابقا تماما لتطلعات المجموعة الحاكمة اليوم في الكيان وفريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الموالي للصهيونية، إلا أنه لم يتحقق وثمّة مؤشرات عديدة تقول إنه لن يتحقق في المستقبل.
-الأول، مؤشر جيواستراتيجي بامتياز، يتعلق بمضيق هرمز، فهذا المضيق كان قبل العدوان مفتوحا للملاحة البحرية، وبات اليوم الهدف من الحرب هو التفاوض على شروط فتحه! وكذا مضيق باب المندب، الذي يتجه نحو نفس المصير، بعد إعلان اليمن دخول الحرب.
– الثاني، مؤشر عسكري، إذ تغير المطلب الأمريكي الصهيوني من تحقيق هدف “استسلام القوات الإيرانية دون شرط” إلى الاكتفاء بإضعافها، واعتبار قبولها بعدم امتلاك سلاح نووي نصرا، بالرغم من أن هذا كان متاحا هو الآخر قبل بدء العدوان، بل حتى قبل مجيء ترامب للحكم في عهدته الأولى!
– الثالث، مؤشر اقتصادي، إذ بات واضحا اليوم، أن إيران بدأت في اشتراط دفع رسوم للمرور عبر مضيق هرمز، بالعملة الصينية، دون الدولار، والولايات المتحدة ذاتها تقبل ببيع البترول الإيراني المُحمّل في البواخر رغم العقوبات! وروسيا الأخرى تُعفى من ذات العقوبات لِتبيع نفطها إلى الهند وبقية العالم! وأوروبا تُفكر في العودة إلى استيراد الغاز من روسيا، رغم استمرار الحرب على أوكرانيا! بما يعني أن هدف التحكم التام في إمدادات الطاقة بالشرق الأوسط وخنق الصين ودول العالم الذي كان مُعلَنا في بداية الحرب بات من الماضي اليوم…
-الرابع، وهو مؤشر جيو عسكري، إذ كانت الولايات المتحدة وحليفها في العدوان يعتقدان أن الحلف الأطلسي سيكون داعما لهما في هذه الحرب، فإذا به يعرف أول تصدع كبير له منذ التأسيس، وهو ما تجلى في رفض جميع دول الحلف، مع اسثناءات محتشمة ورمزية، المشاركة المباشرة في الحرب. ومن بين دول الحلف من عبّرت صراحة بأن هذه الحرب ليست حربها: إسبانيا وبلجيكا، بل حتى ألمانيا، باتت، في المدة الأخيرة، مع هذا الطرح!
-الخامس، مؤشر له علاقة بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة: إذ بدل أن يتعزز دورها بات مهدِّدا للدول المستقبِلة، التي تبين لها أن مثل هذه القواعد لا تستنزف منها ملايير الدولارات فقط، بل تجلب لها الدمار بالنظر إلى التبدل الحاصل في نوعية الأسلحة ونوعية الهجمات عليها، ولكون هذه القواعد لم تستطع حماية حتى نفسها…!
هذه المؤشرات وحدها كافية لِتبين لنا أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب هي دول الخليج العربية، باعتبارها تدفع فاتورة مزدوجة مع الأمريكيين ومع الإيرانيين، وفي المقام الثاني، الولايات المتحدة التي باتت هيبتها تتآكل ومصداقيتها تتأثر سلبا وحلفاؤها يَنفَضُّون من حولها، وفي المقام الثالث، الكيان الصهيوني، الذي، برغم الأضرار المادية التي ألحقها بإيران، بات يخسر تماسكه الداخلي وهو مُهدَّد بالانفجار من الداخل، ثم إيران التي وإن خسرت الكثير من القيادات والمنشآت والبُنى التحتية، تكون قد ربحت هيبتها وسيادتها وجددت قدرتها على الصمود مع محور المقاومة في وجه القوى العسكرية الأكبر في المنطقة والعالم. بما يعني أن الحرب التي جاءت لِتعزز مشروع إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، بالمنظور الأمريكي الصهيوني، تكون قد أجهزت عليه…

مقالات ذات صلة