60 سنة على أول دخول مدرسي
يوم الدخول المدرسي، في بداية سبتمبر 1962، قبل 60 سنة، لم يكن كسابق العهد في الجزائر، ولا شبيها بالدخول المردسي اليوم، عندنا، بعد ستة عقود من نعيم الاستقلال.
اليوم، بقدر ما نشهد تحضيرا وحضورا قويا للتلاميذ وأولياء التلاميذ، وهم يتهافتون على الأدوات المردسية وألبسة الدخول، كان الدخول المدرسي في سبتمبر 1962، التي أذكرها، باعتبارها كانت يوم بدايتي مع المدرسة الجزائرية، في ظل الجزائر المستقلة، كان بسيطا وغير معقد، وقليل العدد، من حيث التلاميذ والمؤطرون.
كنا ندخل مدرسة القرية، التي لا تتعدى أقسامها 3 أقسام من الحديد، بنيت في عهد الاحتلال على عجل، باعتبارها بناءات حديدة جاهزة.. مدرسة متكونة من 3 أقسام، وبهو مغطى يضم ساحة لعب في حدود 100 متر مربع، والمراحض والدوش، مع سكن للمعلمين الأربعة، منفصل عن الأقسام بنحو 30 مترا فقط.
دخلنا المدرسة، نحمل فوق رؤوسنا قبعات “شاشيات حمراء”، على الطريقة التركية التقليدية، كما كانت الحال في تونس وليبيا، وكانت المدرسة تضم معلمين جزائريين، درسوا بالمغرب، فيما عاد من حيث أتى معلم مصري منتدب، لم يتمكن من التأقلم من البداية، معلم جزائري للغة الفرنسية، والبقية يعلمون العربية. الأدوات، كانت توزع على التلاميذ مجانا عند الدخول: لوحة من الأردواز ودفاتر ومسطرة وقلم رصاص وقلم حبر وممحاة وطباشير وقلم للكتابة على لوحة الأردواز. الطاولة، كانت تحمل محبرتين، إحداهما بالحبر الأزرق والأخرى بالحبر الأحمر، ولم تكن الكتابة مقبولة إلا بالريشة، أي بقلم الحبر، فكان يتطلب ذلك تعلما وتمرينا وعدم إسالة المداد على الورق، في أثناء الكتابة وتلطيخها، وكان من الواجب أن توزع المدرسة مع كل دفتر ورقا ماصا للحبر.
الكتب المدرسية، هي الأخرى، كانت توزع مجانا من طرف المدرسة: كتابان لا أكثر، كتاب للفرنسية وكتاب للعربية. كتاب اللغة الفرنسية، كان وقتها لا يزال هو نفسه الكتاب الفرنسي، الذي كان يدرس الفرنسية للتلاميذ الأهالي “أنديجين”، بنفس الجُمل والعبارات والمحتوى الإيديولوجي الاستعماري: “روني صديق عكلي”.. “يجب علي أن أذهب إلى المدرسة عاري الرأس” إلخ..
فرنسا، وقتها، أرادت خلق أزمة خانقة لتكسير الدخول المدرسي والمنظومة التعليمية ككل، بأن سحبت كل معلميها من الجزائر، عن طريق التخويف والترعيب من احتمال الانتقام وتعرضهم للأذى باعتبارهم معمرين، خاصة بعد اقتراف فرنسا جرائم اليد الحمراء، على أيدي عصابات المنطمة السرية OAS، بعد 19 مارس 62. غير أن
الإرادة والحماس لدى الدولة المستقلة، عملت على إحباط مخطط إفشال الدخول المدرسي، كما أحبطت محاولات التخريب الاقتصادي، الذي عمد إليه الكولون، متمثلا في حرق الممتلكات الخاصة والمعامل والمحاصيل، حتى لا تترك غنيمة للجزائريين.
تمكنت الجزائر المستقلة من استقدام عدد كبير من المعلمين، من دول عربية، خاصة من مصر، ومعلمين جزائريين يحسنون العربية كانوا في دول الجوار، وأنقذوا أول دخول مدرسي لمنظومتنا التربوية، التي لا تزال، إلى اليوم، تبحث عن بدائل وإصلاحات للخروج من التبعية التاريخية وامتداداتها، وتأصيل التعليم وتطويره، بما يتماشى مع متطلبات العصر من تكنولجوجيا ورقمنة، وانفتاح على عصر الشبكة العنكبوتية، التي أصبحت وسيلة تعلم لا غنى عنها، ليس عن قرب فقط، بل، عن بعد أيضا.