جواهر
أطباء وجمعيات ومرضى يصرخون في ندوة "الشروق":

7 آلاف جزائرية تفقد ثديها سنويا بسبب الإهمال

كريمة خلاّص / نادية سليماني
  • 11488
  • 4
بشير زمري

لا يزال السرطان وحشا مفترسا ومرضا خبيثا يفتك بأرواح كثير من الجزائريين الذين يرتعبون بمجرد ذكره، لأنهم على يقين تام بالمأساة التي تنتظرهم من حيث العلاج والتكفل ليس لقلة في الإمكانيات أو التجهيزات ولكن بسبب سوء التنظيم والمحسوبية والتفاضل في منح فرص الحياة بحسب ما أكّده المشاركون في ندوة الشروق وغيرهم من المختصين والفاعلين في المجتمع المدني.

وتعد المرأة أكثر الضحايا، حيث أن سرطان الثدي يسقط سنويا أكثر من 11 أف حالة إصابة جديدة في شباكه، ثلثان منهن يستأصل ثديهن وكان بإمكانهم تفادي الأمر لو توفرت الظروف المناسبة في الوقت المناسب.  

وبمناسبة شهر أكتوبر الوردي المقرر دوليا شهرا للتحسيس بسرطان الثدي ارتأت الشروق استقصاء رأي الفاعلين في مجال مكافحة سرطان المرض من خلال ندوة كشفت فيها الكثير من الحقائق.  

البروفيسور ديلام مختص في الأورام بمركز بيار وماري كوري

30 بالمائة من عمليات استئصال الثدي تجرى بطريقة عشوائية 

وضع البروفيسور ديلام صالح المختص في الأورام بمركز بيار وماري كوري إصبعه على الجرح وشخص بدقة واقع التكفل بمرضى السرطان، لاسيما سرطان الثدي الذي يعد اختصاصه بامتياز، حيث قال “المشكل الأول الذي نواجهه في مجال التكفل بالمرضى هو كيف ننظم علاج مريض السرطان، لأننا إذا نظمناه ستزول الكثير من المشاكل”.  

وتأسّف المختص لأن كل واحد أصبح يتكلم عن سرطان الثدي دون أن يعرف الأسباب الحقيقية”.وأضاف “العلاج الإشعاعي هو المشكل رقم واحد وهو مشكل عويص لم يكن مطروحا في السابق أين المواعيد كانت تقدم في حينها رغم أننا لم نكن نتوفر سوى على 4 مراكز” 

وحسب ديلام فإن “هناك العديد من الحالات التي يتطلب فيها العلاج الاستعانة بالعلاج الإشعاعي وحتى في سرطان الثدي هناك حالات لا يمكن الاستغناء فيها عن العلاج الإشعاعي وهنا يطرح الإشكال فعليا هناك حالات يمكننا الاستعانة بها في المرحلة الثالثة أو الرابعة”.

واستطرد قائلا “البعض يقول إنه إذا لم يستفد من العلاج الإشعاعي فسيموت وهذا خاطئ”.

وكشف البروفيسور ديلام عن حقيقة مرعبة تتعلق باستئصال الثدي في حالات كثيرة كان بالإمكان تفاديها لو أن العلاج الإشعاعي توفر في آجال معقولة ومنطقية وهو ما كان سيخفض نسبة الاستئصال بـ 30 بالمائة.

وتشير تصريحات ديلام إلى أنه يتم حاليا استئصال 600 ثدي من أصل 900 حالة سرطان تسجّل في مركز بيار ماري كوري وحده وهو ما يعني ثلثي الحالات يتم استأصالها وطنيا بمعدل 7000 حالة استئصال سنويا.

وأضاف “انا جراح من واجبي إعلام المريضة بطرق العلاج وما يجب اتباعه إذا كانت هناك فرصة لعدم استئصال الثدي، فيجب الحصول على موعد للعلاج الإشعاعي وهناك من لديها معارفها وتستطيع ذلك وتبدأ اتصالاتها وهذا ليس حق لأنه يفترض أن لا نزيدها جبلا من الهموم والمشاكل بينما هناك اخريات تفضل من البداية الاستئصال لتجنب كل هذه الدوامة ويسمحن في ثديهن بسهولة”.

وتطرّق المختص إلى أهمية “اجتماع فحصي متعدد الاختصاصات للأطباء المعنيين بالمرض الذي يجتمع كل المعنيين ويقررون المواعيد بشكل واضح ومتتالي وتقدم للمريض في النهاية وثيقة بالمسار الذي سيتخذه العلاج بآجاله الدقيقة وهذا نعمل به في مركز بيار وماري كوري لكن ليس في جميع المراكز والمستشفيات، علما أنّ مثل هذه الاجتماعات أصبحت قانونا في الدول المتقدمة بمعنى أن المراكز مكافحة السرطان التي لا تتوفر على هذه الهيئة فهي ناقصة وغير مطابقة للمواصفات”.

ونفى المختص قلة الإمكانيات فالميزانية المخصصة للصحة وللسرطان بالأخص كبيرة والمثال على ذلك هو ميزانية العلاج الكيميائي الذي يكلف غاليا والتغطية الجزائرية مقارنة مع الأشقاء تعتبر جيدة.

وطالب المتحدث بتفعيل دور الطبيب العام الذي يعتبر الحلقة الأولى في التوجيه مؤكدا أن الجزائر حققت تقدما في مجال العلاج والاكتشاف المبكر بعد المراحل التاريخية التي كانوا يقفون عليها أين كان حجم الورم يصل إلى 5 سم، أما الآن فحجم الورم لا يتعدى 3 سم ورغم ذلك يظل أقل من 2 سم المعدل المسجل في أوروبا.

أمّا بالنسبة لأزمة السكانير والعلاج الإشعاعي “فالضغط المفروض عليها هو الذي أحدث الوضع وأحيانا هناك أولويات لكن هذا الواقع المر يجعل المريض يخوض رحلات بحث طويلة تنتهي به إلى استعمال الوساطات وطلب المساعدات، وأحيانا نتدخل شخصيا في بعض الحالات الحرجة وذات الأولوية دون أن نعرفها”.

 

مليكة رازي رئيسة جمعية الرحمة لمساعدة مرضى السرطان:

تأخر العلاج الإشعاعي حطم معنويات المرضى 

أكدت رازي مليكة رئيسة جمعية الرحمة أن جمعيتها تكثف حملات التوعية والتشخيص خلال شهر أكتوبر الوردي، لاسيما في المناطق النائية بسبب عدم توفر الوسائل لهؤلاء المرضى.

وأكدت ممثلة “الرحمة” أن أغلب الحالات التي تشخّص تكون في مرحلة متقدمة جدا من المرض، علما أنّه كلما كان التشخيص متأخرا كلما كان العلاج صعبا على المريض وعلى الدولة من حيث التكفل والأعباء.

وكشفت المتحدثة عن بعض المرضى الذين يلجؤون إلى العلاج بالأعشاب بدل إتمام علاجهم الطبي، حيث أن البعض أوقفوا العلاج الكيميائي واعتمدوا على الأعشاب التي يرونها أكثر فعالية وقدمت لهم نتائج أفضل.

وأضافت أن الجمعية تبذل جهدا كبيرا في إقناعهم بالعدول عن هذا السلوك الضار الذي يتسبب في تعقيدات صحية، رغم أن الأمر ليس سهلا وممكنا في كل الحالات.

رئيسة الجمعية التي تعد أحد ضحايا السرطان لإصابتها بسرطان القولون في 2004 قالت “في البداية الجميع كان يتفاجأ بمرضي ويخاف من الإصابة لأن السرطان لم يكن كثير الانتشار وكان العلاج حينها أسهل على المريض، فلم نكن نسمع بكل هذه المعاناة وهذا الانتظار وبفضل الله وفضل البروفيسور بوزيد والبروفيسور معاوي الذين ساعداني معنويا تغلبت على المرض لاسيما وأني كنت صغيرة في الثلاثينات من العمر”. 

وبعدها، تضيف المتحدثة، شجعاني على إنشاء الجمعية وكان البروفيسور معاوي أول من خرج معنا ميدانيا وقام معنا بحملات تحسيس وتوعية كثيرة.

وتطرقت المتحدثة إلى تخلي كثير من الأزواج عن زوجاتهم بسبب الإصابة وهذا ما يعمّق الصدمة والمأساة لديهن.

من بين أهم وأول الصعوبات التي يواجهها رجال الميدان في المناطق النائية هي عدم تقبل فحص الثدي “ففي المناطق المحافظة والنائية يعتبرون الأمر عيبا ولا يقبلونه بسهولة لكننا ناضلنا من أجل كسرنا الحواجز والطابوهات وأصبحنا نلقى إقبالا كبيرا على مختلف الحملات التي نقودها، وكثيرا ما يكتشف المرضى إصابتهم بالصدفة لدى مرافقتهم ذويهم إلى الفحص وعندما يعرض عليهم المختصون الخضوع للفحص يقولون أنهم بخير لكننا نكتشف عكس ذلك”

وأبرزت رئيسة جمعية الرحمة عقبة أخرى تقف في وجه الجمعية والمرضى “فالعلاج الإشعاعي فهو أكثر ما يؤرقنا في الجمعية، لأن المواعيد التي نحصل عليها لا تقل عن 9 أشهر أو عام”   

ولفتت الانتباه إلى أن “العلاج كان أسهل في السنوات السابقة، فكل شيء كان يتم في وقته سواء العلاج الإشعاعي أو الكيميائي، كما أنّ العدد يتضاعف والإصابة أصبحت تستهدف فتيات في مقتبل العمر يبلغن عشرين عاما وأحيانا أقل”.

 

الكاتب العام لجمعية “الفجر” لمساعدة مرضى السرطان محيي الدين بوبكر:

مراكز الرحمة لإستقبال مرضى السرطان

أكد بوبكر محيي الدين أن جمعية “الفجر” لمساعدة مرضى السرطان، تأسّست في العام 1989، ومهمتها الرئيسية تتمثل في التحسيس بهذا المرض، وتوعية المواطنين عن طريق تنظيم الأيام التحسيسية والملتقيات والندوات العلمية، موجها الشكر للأطباء الذين لم يتأخروا يوما في تلبية نداء المشاركة في الحملات التحسيسية للمرضى.

وبخصوص مرض سرطان الثدي، تأسّف بوبكّر لتخصيص العالم، شهرا واحدا وهو أكتوبر الوردي  للتوعية حول هذا المرض، رغم أنه يعتبر أول سرطان عند المرأة، بحيث تسجَل إصابة 11 ألف حالة سنويا.

وبشأن علاج هذا المرض بالجزائر، ثمّن المتحدث ما اعتبره الجهود التي بذلتها وتبذلها الدولة في إطار مكافحة وعلاج مرض السرطان، حيث أنشأت الكثير من مراكز علاج السرطان عبر الولايات. 

وبخصوص مشكل تأخر مواعيد العلاج الإشعاعي، حيث يشكو كثير من المرضى برمجة علاجهم الإشعاعي بعد 8 أشهر كاملة من إجراء العملية، يوضح المتحدث “حقيقة يعاني مرضى السرطان من هذا المشكل، ولكننا في جمعية الفجر نحاول قدر مجهوداتنا إيجاد حل للموضوع، ولأننا متواجدون عبر 22 ولاية نحاول الحصول على مواعيد قريبة في ولايات أخرى غير العاصمة، ونتكفل بإقامته في دار الايواء التابعة للجمعية أو للمحسنين الراغبين في المساعدة”.

وتستقبل الجمعية، المرضى بعد إحضارهم ملفا طبيا، ثم تمنحهم بطاقة، لتبدأ رحلة علاجهم، فتحجز لهم موعدا بالمستشفيات، وتٌساعد على تقريب مواعيدهم.

كما تتكفل الجمعية، بمرضى السرطان من الجانب الاجتماعي، خاصة الفئات المحتاجة، فتوفر لهم الدواء وبعض المستلزمات، لتجد نفسها أيضا، مهتمة حتى بالجانب العلاجي في كثير من المرات، حسب تعبير محي الدين، حيث قال “نتدخل لتيسير أمور العلاج على المريض، فاتفاقياتنا مع مراكز العلام ومراكز إجراء الأشعة، تتيح لنا إجراء مثلا “سكانير” للمريض بربع الثمن”.

وعن تعاون السلطات وعلى رأسهم وزارة التضامن مع جمعية الفجر، أكد بوبكر أن المساعدة تتمثل في تخصيص 120 سريرا عبر دور الرحمة لإيواء مرضى السرطان القادمين من ولايات بعيدة، 60 سريرا مخصصا للنساء ومثلها للرجال. وما عدا ذلك، فجميع مداخيل الجمعية تأتي من تبرعات المحسنين.

والإشكال الحقيقي لمرض السرطان في الجزائر، حسب ضيف “الشروق” ليس في قلة التكفل وابتعاد موعد “العلاج الإشعاعي”، وإنّما في الفحص المٌتأخر للمرض من طرف المصابين به، 

وهو ما جعل الجمعية تركز في أيامها التحسيسية على تعليم النساء والفتيات طريقة القيام بالفحص الشخصي الدوري لمن هي أقل من 40 سنة، والخضوع لأشعة “ماموغرافي” للأكثر من 40 سنة.

 

نصيرة مايدات مصابة بسرطان الثدي:

زوجي توفي بالسرطان وقاومت المرض بعد فترة يأس وإحباط

قدّمت نصيرة مايدات 49 عاما شهادة حية عن مكافحتها لسرطان الثدي، حيث قاومت المرض بشجاعة بعد فترة يأس وقنوط.

عن بداية مرضها تقول “في أحد الأيام شعرت بما يشبه لسعة حشرة في صدري، وعندما فحصت نفسي لم أرى شيئا خارجيا، وعندما ضغطت بيدي أحسست بوجود شيء صلب… سارعت لطبيب عام وجهني بدوره لطبيب مختص، ولكن هذا الأخير لم يصارحني بحقيقة مرضي إلا بعد فترة عقب إجراء كافة التحاليل والإشعاعات”، وعن تقبلها للمرض، نفت نصيرة الامر بل إنها رفضته في البداية وشعرتٌ بيأس وإحباط كبيرين، فزوجها فارق الحياة منذ سنتين بسبب إصابته بسرطان البلعوم، لتجد نفسها وأولادها السبعة فجأة أمام سيناريو مماثل يتكرر بكل تفاصيله حتى أنها لم تستطع إخبار والدتها بالأمر لحمايتها من الصدمة والألم، وهو ما جعل نصيرة تٌخفي عنها حقيقة مرضها إلى اليوم.

ولحسن حظ نصيرة، أن جارتها وصديقتها هي رئيسة جمعية الرحمة، حيث كانت إلى جانبها منذ اللحظات الأولى فقصدتها منهارة وأخبرتها بحقيقة مرضها، والأخيرة شجعتها ووقفت معها، إلى أن تقبلت المرض وقررت مواجهته بشجاعة، وتسلحت محدثتنا بشعار “سأواجه المرض إما أهزمه أو يهزمني، وكل شيء مقدر بكتاب”، ومن هذه النقطة دخلت المريضة في رحلة علاج بدأت عام 2014، ولأنها اكتشفت مرضها مبكرا خضعت لعملية استئصال الورم الخبيث.

والأمر الذي صدمنا، أن نصيرة وبعد إجرائها العملية، أعطيت موعدا لإجراء العلاج الإشعاعي بعد عامين كاملين…!

وهذا ما يعتبر أهم إشكال يواجه مرضى السرطان في الجزائر، لتباشر رحلة بحث أخرى مع المحسنين للظفر بفرصة قريبة. 

وعن العبرة التي خرجت بها السيدة من رحلة مرضها الطويلة، تقول “تعلمت أن الفحص والعلاج المبكر يحمي من مضاعفات أي مرض كان، كما صرت أشدد على بناتي رغم صغرهن وعلى قريباتي وصديقاتي على ضرورة إجراء فحص شخصي دوري لأجسادهن، دون إهمال إجراء الفحص بأشعة الماموغرافي”. وما كشفته لنا المتحدثة، انه في رحلة علاجها صادفت فتاة مصابة بسرطان الثدي لا يتعدى سنها 19 سنة.

مقالات ذات صلة