80 بالمئة من جلسات الصلح بالمحاكم تنتهي بالطلاق
دعا حقوقيون جزائريون إلى ضرورة العودة إلى جلسات الصلح حسب الشريعة الإسلامية والتي تعقد بحضور كبار العائلتين أو إمام المنطقة لتفادي أبغض الحلال وهو الطلاق، حيث اعتبر المحامون أن 80 بالمئة من جلسات الصلح في محاكم شؤون الأسرة تنتهي بقرار فك الرابطة الزوجية وهو ما يفسِّر ارتفاع عدد قضايا الطلاق لأكثر من 50 ألف حالة سنويا.
تكشف جلسات محاكم شؤون الأسرة اليومية في القضايا الخاصة بالطلاق أن جلسات الصلح هي مجرد إجراء روتيني وشكلي، لا تسمن ولا تغني من جوع، خاصة إذا ما نظرنا إلى الجانب القانوني للملف، والذي يتقيد به القاضي مهما كانت الظروف، ولأن العصمة بيد الرجل فالطلاق سيكون لا محالة حتى وإن أرادت الزوجة الصلح في الجلسة، ولأن قانون الخلع يكفل للمرأة فك الرابطة الزوجية ولو رفض زوجُها الطلاق، فإن جلسات الصلح في الجزائر لا يمكن أن تكون سوى جلسات شكلية، وليس بإمكان القاضي سوى أن يرفض فك الرابطة الزوجية في حالة التطليق عندما ترفع الزوجة القضية ضد زوجها وتكون الشروط منعدمة باعتبار أن العصمة في يد الرجل.
القاضي مجبر على النطق بالطلاق
أثناء تواجدنا بقصر العدالة عبان رمضان، التقينا بسيدة في العقد الخامس من العمر، بالقرب من قاعة الجلسات تنتظر محاميتها لتستفسرها عن الحكم في قضيتها، السيدة التي كانت تائهة ولم تعرف ماذا تفعل رفضت ذكر اسمها، لكنها أجابت عن أسئلتنا بكل عفوية لتقول “زوجي رفع عليَّ دعوى طلاق بعد 22 سنة زواج” وتضيف “رغم أني طلبت الرجوع خاصة أني لا أملك مسكنا ولا أريد تشريد أولادي، إلا أنه حصل على الطلاق لأن العصمة بيده” وعن جلسة الصلح تقول محدثتنا “لقد رفض زوجي الحضور إلى جلسة الصلح في أكثر من مرة وبعدما منح محاميه توكيلا حكمت المحكمة لصالحه دون الأخذ بعين الاعتبار ما سيحصل لأولاده”.
أزواج يشتكون من جلسات الصلح
وفي المقابل، يشتكي حتى الرجال من عدم جدوى جلسات الصلح، حيث اتصل بـ”الشروق” مواطنٌ من الشرق الجزائري، وأكد أن جلسة الصلح تفشل قبل انعقادها، وصرَّح لنا والحرقة تعتصر قلبه أنه لم يكن يريد الانفصال عن زوجته التي رفعت في البداية قضية تطليق ضده، لكن المحامية التي تأسست في حقها جعلتها ترفع ضده قضية خلع، ورغم مرورهما على جلسة الصلح وتمسكه بعدم فك الرابطة الزوجية، إلا أن القاضي الذي كان مقيَّدا بتطبيق القانون لم يكن له سوى الحكم لصالح زوجته التي رفعت قضية الخلع، باعتبار أن جلسة الصلح لا تعدو مجرد إجراء شكلي يجب المرور عليه، والخلع مكفولٌ للمرأة حتى وإن رفض زوجُها الانفصال، وأضاف محدثنا أن معظم قضايا الطلاق تحدث -حسبه- بسبب بعض المحامين الذين يسعون إلى خراب البيوت أكثر من الإصلاح وهذا بسبب جشعهم والجري وراء المال.
جلسات الصلح في المدن غير مجدية
وفي الموضوع يقول المحامي لدى مجلس قضاء العاصمة أحمد دهيم بأن جلسات الصلح على مستوى الولايات الكبرى لم تعد مجدية، لأنه غالبا ما يعقد القاضي جلسة صلح واحدة ثم يُدخل القضية إلى المداولة خاصة أن لديه ملفات كثيرة تنتظره، فيتقاعس عن إجراء ثلاث جلسات صلح مثلما هو معمول به في القانون، ويضيف المحامي بأن جلسات الصلح لها قيمة أكبر في الولايات الداخلية، حيث يلجأ القضاة إلى أكثر من جلسة قبل أن يتخذوا قرار فك الرابطة الزوجية، وهو الشيء المفقود في العاصمة إذ تشكل كثرة الملفات في الجلسة الواحدة عائقا بالنسبة للقاضي الذي يفضل الفصل في القضية بعد جلسة واحدة لتفادي تراكم الملفات عليه، وكل هذا- يقول المحامي- على حساب الزوجين والعلاقات الأسرية المقدسة.
كما اعتبر المحامي أحمد دهيم بأن نقص الثقافة القانونية لدى المتقاضين، تجعلهم لا يفهمون معنى جلسات الصلح ولا دورها، بحيث لا يستطيع سواء الرجل أو المرأة إيصال الأسباب الحقيقية للانفصال للقاضي، ونبّه المحامي بأن القاضي مقيد فيما يخص الخلع، حيث يحكم لصالح المرأة حتى ولو رفض الزوج الطلاق، ونفس الشيء في الطلاق إذ تكون العصمة في يد الرجل، ولا يبقى للقاضي سوى قضايا التطليق حيث تكون المرأة هي التي رفعت الدعوى ويمكن رفضها إذا لم تتوفر أسباب التطليق المذكورة في القانون.
جلسات الصلح إجراء بلا معنى
وفي سياق متصل، أكد الأستاذ بن عاشور رضا، محامي معتمد لدى المحكمة العليا، وأستاذ علم الاجتماع بجامعة بوزريعة، أن جلسات الصلح في الجزائر مجرد إجراء شكلي وغير مجدية، والدليل على ذلك ارتفاع معدلات الطلاق حيث وصلت إلى حوالي 50 ألف حالة طلاق سنويا، خاصة بين الأزواج الجدد، وأكد محدثنا أن جلسة الصلح هي إجراء شكلي إجباري بحيث لا يحكم القاضي في قضايا الطلاق أو التطليق إن كانت الزوجة هي من حركت الدعوى، إلا بعد إجراء عملية الصلح، وأضاف أن هذا الإجراء مستمد من الشريعة الإسلامية، لكن في الحقيقية -يضيف المحامي- هي جلساتٌ بدون روح ولا معنى لأنها تنتهي في الغالب بمداولات تحيل القضية إلى فك الرابطة الزوجية ونادرا ما يحدث الصلح في الجلسة، وأضاف الأستاذ بن عاشور أن معايير وقيم المجتمع الجزائري تغيرت وهي سبب ارتفاع نسبة الطلاق، حيث أن الآباء اليوم هم من يحرِّضون أولادهم وبناتهم على الطلاق، بعدما كان بالأمس القريب الطلاق عيبا وعارا في الأسرة الجزائرية، وكان كبار العائلة يسعون جاهدين للمِّ شمل الأسرة وتفادي الانفصال والإصلاح بين الزوجين، لكن الآن مع طغيان المادة على الحياة أصبحنا نرى العكس، ليدعو إلى ضرورة إرجاع جلسات الصلح في العائلة وبين الكبار مثلما هو في الشريعة الإسلامية، أو تفعيل جلسات الصلح أكثر.