-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشتاء وشهر رمضان أكثر المواسم هجرة إلى عيادة المحروقين

96 بالمائة من حروق الأطفال بالجزائر سببها المواقد وإهمال الأمهات

الشروق أونلاين
  • 2818
  • 0
96 بالمائة من حروق الأطفال بالجزائر سببها المواقد وإهمال الأمهات
تصوير: يونس أوبعييش

إذا كان آخر الدواء الكي، فإنه يتحوّل إلى معضلة كبرى تصب على رأس الفريق العامل بعيادة المحروقين بالعاصمة، عن طريق الحالات التي تصلهم، والتي يجرم فيها الموقد وقارورة غاز البيتان في حق بني آدم، حيث تطمس ألسنة اللهب على أوجه البراءة، وتشوّه معالم الشخصية، في عدد متزايد من الحروق تطلبها المطابخ منهم وتقول هل من مزيد”، إنها الوضعية المحزنة التي يعيشها العشرات من ضحايا الحروق بالعاصمة يطلبون العافية مما أصيبوا به دون سابق إنذار ويختفون وراء الحجب من مجتمع ليس له أن يتعامل مع تلك الوجوه بعد أن صارت، كما لو أنها هاربة من أفلام الرعب، في غياب الجراحة التجميلية.

أغلب حالات الحوادث التي تصل إلى العيادة عبارة عن حوادث منزلية  بنسبة 96 بالمائة من مجموع الحالات، كلّها بفعل الموقد بالنسبة للأطفال، أما بالنسبة للكبار، فإن قارورة غاز البيتان هي الجاني الأول، حيث يستهين الكثيرون بتفريغ الكمية الأولى منها على طريقتهم، ظنا منهم أنها عبارة عن ماء إضافي، إلى أن يفاجؤوا بالانفجار الذي يوصلهم إلى عيادة المحروقين في أحسن الأحوال، لأن الأغلبية الساحقة، كان باطن الأرض أرحم لهم من ظاهرها.

وتستقبل العيادة الفئة العمرية من السنة صفر إلى سن الخامسة عشرة، بمعدل يومي يصل إلى 15 حالة لحروق من الدرجتين الثانية والثالثة، وبقية الفئات العمرية توجه إلى عيادة الدويرة، وهذا لا يمنع من أن تستقبل أيضا الحالات الاستعجالية قبل توجيهها إلى هناك، وتبلغ قدرتها الاستيعابية 68 سريرا، إلا أنها عمليا تضم أكثر من طاقتها الاستيعابية.

 

جراحة بلاستيكية وتقويمية لتفعيل الأعضاء، والتجميلية خارج اختصاص العيادة

يستفيد المحوّلون إلى عيادة المحروقين من الإجراءات الاستعجالية، وهنا يقدّر الفريق الطبي مدّة العلاج، إذ تبقى مبدئيا عشرين يوما، ولا تتجاوز المدة الاستشفائية داخل العيادة سنة، بعدها يوجه المريض إلى المنزل، مع الأخذ بترسانة من النصائح، على رأسها الاعتناء بتغيير الضمادات في الوقت المحدد، عدم التعرّض مطلقا لأشعة الشمس التي يمكن أن تضاعف الحروق وتقضي على أشهر من العلاج، وينصح أيضا بالمحافظة على حصص إعادة التأهيل، في حالات الحروق التي تصيب المفاصل، والاستعانة بالمراهم التي تلين الجلد وتبعث فيه الحيوية التي سلبتها ألسنة اللهب.

واعترف الفريق الطبي، أن العيادة كانت تسجل وفيات كثيرة في سنواتها الأولى، نظرا لنقص الإمكانات وضعف التأطير الطبي، إلا أنها استعادت الآن القدرة الكاملة  على الاعتناء بالحالات العصية التي تصلها من كل أرجاء الوطن.

ويستخدم الفريق الطبي الجراحة البلاستيكية، والتي تتكون من عدة أنواع حسب موضع الإصابة، إذ توجد الواقيات التي تزرع على مستوى الرأس لتصحيح عيب الشعر الذي أتلفته النيران، حيث تساعده على النمو في مواضع الحروق.

وذكر لنا منسق النشاطات شبه الطبية الياس صغير أن العلاج الأول المتبع في العيادة هو الجراحة التقويمية، والتي ترتكز أساسا على إنقاذ حياة المريض، والهدف الأسمى لدى الفريق الطبي هو جعل العضو يعمل كما كان، ولا يهم إن بقي الوجه مشوّها أو غيره من مواضع الجسم.

وقال محدّثنا إن الجراحة التقويمية من الصعوبة بمكان، لأنها التماس الأول مع الأعضاء قبل أن تطول مدة الاحتراق وتترك آثارها التي لا يمكن تغييرها مع الزمن، وتعد جراحة الوجه الأصعب على الإطلاق وبالتحديد الجراحة القريبة من محيط العين، إذ أن العضو صعب المحافظة عليه بعد الاحتراق، والأعقد من ذلك المحافظة على الانكماشات وتعابير الوجه المحيطة بدائرة العين، وليس الأنف والفم ببعيدين عن هذا التعقيد.

ولا يتكفل الفريق الطبي إلا بتقويم الجرح، وإعادة الوظيفة للعضو المصاب، بعيدا عن أي تجميل، مضيفا على لسان الدكتور أوافق خالد أن “مهمتنا صعبة جدا وهدفنا الأول هو إنقاذ حياة المحروق، خاصة وأننا نتعامل مع شريحة الأطفال، والجراحة التجميلية  تكميلية وليست ضرورية، وليس لدينا مختصون لتولي تطبيق ذلك مع المرضى”.

وأكد لنا منسق النشاطات شبه الطبية أن الحالات التي تتطلب فعلا التجميل تستعين بالعيادات الخاصة في الجزائر، إلا أن التجميل لا يكون نهائيا، لأنه لا يمكن لآثار الحروق أن تزول نهائيا، وبالتالي تصبح حتى الجراحة التجميلية تقويمية إلى حد ما، حسب درجة الحروق وكذا الأعضاء المصابة، والسن التي يتعرّض فيها الشخص للحروق، فالأطفال مثلا لا تبارحهم آثار الحروق مدى الحياة، لأن الإصابة تمكنت مع نمو الجلد فلا يمكن الخلاص منها مدى الحياة ويظهر الجلد المعافى من نظيره المصاب بالحروق عليهم بعد النمو.

 

جلد الفخذ أو الأبوين لتجنب التعفنات، ولباس الحروق مدى الحياة 

ولا يتردد الفريق الطبي في سلخ جزء من جلد المريض بعد مضي 22 يوما من إصابته، في حال ما إن لم  يلتئم الجلد مع بعضه بعض، وإن لم يوجد جلد سليم من الفخذ عادة والخاصرة، فإنه يلجا حتما إلى أحد الأبوين، ليكتسي الابن مرة أخرى من جلد الأبوين، وتسمى هذه العملية بزراعة الجلد، التي تجنب المحروق التعفنات إذا ما تقبلتها الطبقات السفلى من جلده لتحمي الآدمة الطبقات السفلى من التأثيرات الخارجية، وتسمح بالتآم النسيج الجلدي عوضا عن الجلد المحروق.

وتختبر العملية عشرة أيام بعد زراعة الجلد، لتميكن الطبقات السفلى من النمو بعيدا عن خطر الالتهابات، وإن كانت أغلب حالات زرع الجلد الذاتية ناجحة فإن نقلها من الآباء إلى الأبناء قليلة النجاح، وتعتبر هذه العملية الأكثر استخداما من أجل تجنيب المريض التعفنات التي تتسبب في مضاعفة الآلام ويصعب من مهمة الفريق الطبي.

ويستعين المريض بعد خروجه من المستشفى بلباس خاص، يعرف بالألبسة الضاغطة، التي تضغط على الأمكنة المحروقة من الجسم وتمنع نتوأها حتى يرجع الجلد إلى سابق عهده، والمشكلة أن هذه الألبسة مكلّفة  قدر ما هي مهمة للعلاج،  فهناك من يشترط عليه أن يعيش بها ما بقي من عمره وهناك من تلازمه لسنوات فقط، ويجب تغييرها كل سنة، ولا يوفر هذه الألبسة إلا الخواص، ممن يستوردونها من الخارج، وهنا يظهر سبب غلائها، حيث يتراوح سعرها ما بين 10 مليون سنتيم إلى 30 مليون سنتيم.

 

الشتاء وشهر رمضان، موسمان للهجرة إلى عيادة المحروقين

عالجت العيادة في السنة الفارطة 5803 حالة، تم استبقاء813 حالة سريرية، ومنذ مطلع السنة الجارية إلى غاية شهر سبتمبر المنقضي تم تسجيل 2461 حاله، 413  منها عبارة عن حالات سريرية، وترتفع الإصابات في فصل الشتاء حيث يكثر استخدام  المواقد بمختلف أنواعها، وكذا في شهر رمضان، حيث تنتقل القداسة من أماكن العبادة إلى المطبخ بلا منازع.

ويتكون الفريق الطبي في عيادة المحروقين التي فتحت أبوابها  سنة 1995، من بروفيسور و4 أطباء مساعدين، 10 ممارسين مختصين و13 ممارسين عامين، صيدلي، و4 مختصين نفسانيين، يعينهم على أداء المهمة في مختلف الحجرات 109 من أعوان شبه الطبي، وهناك عيادتان في وهران وعنابة، إلا أنها لا تلبي الطلبات وغير مهيئة بكافة التجهيزات التي تعطي العلاج اللازم.

وتصل تكلفة العلاج إلى 130 ألف سنتيم للمريض الواحد، بين أدوية وضمادات وجراحة التي توفرها العيادة، فضلا عن بقية التكاليف التي تتكبّدها العائلات، خاصة اللباس الخاص بالحروق.

 

موقد كهربائي، “قدرة شوربة” وشجار بالبنزين وراء حالات تجلس بالعيادة

على الرغم من المجهودات الكبيرة التي يبذلها الفريق الطبي من أجل تصليح ما يمكن إصلاحه في أجساد كانت مأدبة لألسنة اللهب، إلا أن الحريق أسوأ حادث يمكن أن يتعرّض إليه الإنسان، والحالات التي اطلعنا عليها في العيادة أفصح من أن يتكلّم أهلها عنها، فياسر القادم من ولاية مسيلة، والبالغ من العمر أربع سنوات، التصقت أشفاره من حول عينيه، وارتفعت شفته العليا عن فتحة الفم، ولم يغط الشعر رأسه بعد، راح ضحية حادث منزلي لما كان عمره خمسة أشهر، تروي لنا جدّته “لقد كان نائما في سريرة شتاء، وكان الموقد الكهربائي موقدا بالقرب منه، فسقط طرف غطائه على الموقد وشبّ الحريق بسرعة، واتى على جميع أطرافه، وتمكّن من وجهه، في الوقت الذي كانت والدته تطهو وجبة العشاء” ولم تستفق الأم من غفلة المطبخ إلا على صراخ ابنها المكتوي بنارين نار الموقد ونار اللامبالاة!

سارة لم تبلغ من العمر إلا 18 شهرا قد تكون هي من أصر على الاحتراق بعد أن ألحت على أن تشارك شقيقتها الكبرى الحمام وأن تستحم معها، فكان أن غفلت عنها شقيقتها وصبّت على نفسها سطلا من الماء الساخن أحرق نصفها السفلي بأكمله، وضمها الحادث إلى نزلاء العيادة منذ أيام، رغم ذلك وجدناها تستمتع باللّعب بدمية غير عابئة بشيء طالما أن الوضع كان نتاج انطلاقها على سجيتها في غياب التوجيه الأسري الذي كان بإمكانه تجنيبها الحادث.

أما سليمان البالغ من العمر 34 سنة والقادم من مدينة مستغانم، فإن حالته ينطبق عليها فعلا المثل القائل خيرا تعمل شرا تلقى، فلو أنه مضى صبيحة الحادث إلى العمل بالمركز الجامعي كالعادة لسلمت أطرافه الأربعة من حروق قدرت نسبتها بـ60 بالمئة حسب الفريق الطبي المتتبع لحالته الصحية والصبور على حالته النفسية التي كلما تدهورت اسمعهم من الكلمات  كل مستهجن ثم عاد بعدها للاعتذار.

أما عن الحادث فقد كان لما خرج يوما إلى العمل صباحا ووجد ابن الجيران الذي يعتبر بمثابة القريب في شجار لم يفهم إلى يومنا هذا ما كان سببه، وحينما همّ سليمان بالمغادرة بعد أن أصر كلا الطرفين على مواصلة العراك التفت وراءه فإذا نار تنشب بجسمه الهزيل، وتركت بصمة اللهب على يديه، مثلما ترك الموقف كله رواسب نفسية مثقلة بالهموم  لازال الفريق النفسي يتعامل معها الهوينى إلى أن يتكيف سليمان مع وضعه الحالي.

وربّما تكون سارة ذات العشر سنوات من البليدة حالة فريدة من نوعها في تكيّفها مع الحادث، “فهي الوحيدة التي لا نجد معها صعوبات لإقناعها بما حدث لها” يقول الفريق الطبي، وقد استدعتنا سارة بابتسامتها للحديث إليها، وروت لنا ما وقع لها في أحد أيام رمضان “كنت ألعب بالمنزل، وكان شيئا من الماء مراقا على الأرض، وجاءت شقيقتي الكبرى تحمل قدرة الشوربة لتحوّلها إلى غرفة الضيوف، فانزلقت رجلها وسقطت، ليسكب ما في القدر على ظهري وأطرافي وجزء من رأسي”.

ولم تأسف سارة لأي شيء، إلا لقص شعرها الذي كان يلف خصرها من طرف الفريق الطبي تفاديا للتعفنات، وهي سعيدة لأن وجهها لم يصب بأذى.

ولعل انفجار الغاز الذي حدث سنة 1992 بحي سيدي عمار بعنابة شاهد في ذاكرة كل من كان هناك، حيث راحت ضحيتها طالبة توفيت من فورها، أما الطالبات الثلاث، فقد تشوّهت أوجههن واضطررن للسفر إلى فرنسا لمتابعة الجراحة التجميلية من جهة وفرارا من مجتمع لم يعد يقبلهن من جهة أخرى، والسبب في الفاجعة أنه حين كن يطهين القهوة، كانت قارورة أخرى للغاز مفتوحة ولم ينتبهن إليها إلا على وقع الانفجار. 

 

المرآة العدو الأول للمحروقين 

ويبقى العلاج النفساني من المراحل الصعبة التي يتوقف عندها الفريق الطبي، للوصول بالمريض إلى تقبل شكله بعدما أصابه من تشوّهات، وفي هذا الصدد تروي لنا المختصة النفسانية بوشعير أمينة أن في أول مرة يرى فيها المريض نفسه في المرآة يهرب منها، ويتحاشاها لأنه لا يتقبل الشكل الجديد، وبالنسبة للنساء فالأمر أكثر تعقيدا، لأن النساء يركزن كثيرا على شكلهن، ويتقوقعن حول أنفسهن هربا من المجتمع الذي يرفضهن، وتروي أن فتاة أحرقت وجهها بالبنزين احتجاجا على رفض خاطبها، ودخلت بعد الحادث في دوّامة، إذ لم تستيقن أبدا أنها خسرت وجهها معتقدة أن خاطبها لازال في انتظارها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!