BOOM… الصدمة
كان درسا، أخذناه في مرحلة من المراحل الدراسية المبكرة، وكان النقاش حادا يومها.
كنت أنا، مع الفريق الذي يرى بأنه من الواجب المهني والأخلاقي والإنساني، أن يكون المريض على دراية تامة بمرضه، وأن يخبره الدكتور المعالج عن كل صغيرة وكبيرة.
لم يكن إصراري يومها على ضرورة إخبار الحقيقة لأي مريض اعتباطيا، فكنت محظوظة، بعد مرور أكثر من 25 سنة، حيث كان دكتوري الشاب اللبناني، المهني جدا، المتحدث الفرنسية بطلاقة، وهما سببان كافيان ليكون طبيبي الخاص منذ أشهر حملي الأولى.
الدكتور “سايمون”، كان طيبا بشوشا، يشعرك بالأمان.. أتذكر أنه عندما كنت أريد أن أعرف جنس جنيني، رد ممازحا: هناك اثنان، ما رأيك؟
فقلت: لا.. مستحيل، أنا أعرف أنه جنين واحد، وأنه ولد أيضا.
ليبتسم الدكتور سايمون، ويقول: نعم، إنه ولد.
رفرفت في السماء، من شدة الفرحة، وعشت أحلى أيام عمري، وأنا أحمل في أحشائي ابني، حبيبي، ثمرة حبي الوحيد… انتظرت اليوم الموعود، وكنت في اتصال مع دكتوري، وأنا ألد في مستشفى بفلوريدا، في أمريكا، والدكتور سايمون كان معي على الخط من دبي، يشجعني، ويقول لي إن كل شيء سيكون على ما يرام.
في ذلك اليوم، تغيرت ملامح الدكتور سايمون، وبدا مترددا، وكانت كلماته متقطعة، وصوته يرتجف، لكنه استعاد قوته، وتذكر أنه دكتور، واسترسل في الحديث، وليته لم يفعل، ليته لم يقل، ليته لم يكشف أن الورم الموجود في صدري غريب الشكل، وهناك احتمال كبير أن يكون ورما خبيثا.
حينها، أحسست بأن الدنيا كلها تدور من حولي، ولأول مرة، أرى علامات الخوف والحزن على وجه زوجي.. خفت أكثر، وأصبت بالدوران، وقلت: وابني.. ماذا سيحدث له؟ هل سأراه يدخل المدرسة؟ أو الجامعة؟ هل سيحكي لي عن أول فتاة أحبها؟ هل سأستمر في ضمه إلى صدري؟ لا.. ليس هذا الصدر المريض؟ ليس هذا الصدر الذي ينبض بالحب والحنان؟ ليس هذا الصدر المصاب، وأي مرض أصابه؟؟
كنت أريد أن أصرخ بعلو صوتي، أن أبكي، أن أخرج من هذه الغرفة، التي تفوح منها رائحة الأدوية، رائحة المستشفيات التي أكرهها، التي سأتنفسها كثيرا في الأيام القادمة.

كنت أريد مغادرة هذه الغرفة، التي أضحت المكان الذي يحتضن خبرا سيئا، محزنا، صادما وغير متوقع، ولم يكن يقبله لا عقلي ولا قلبي الذي انفطر يومها.. خبر إصابتي بداء السرطان..
كنت أريد أن يغير الدكتور أقواله، لكنه أدى القسم، وكان يجب عليه أن يقول الحقيقة، كل الحقيقة للمريضة التي بجانبه.
بعد أن أخذني الدكتور سايمون إلى غرفة الماموغرام، وعند ظهور النتيجة، استرسل قائلا: ستتغير حياتك 360 درجة.
قلت ممازحة: 360 درجة، كثير والله دكتور، لم أكن أعي مدى خطورة الموقف، أو عساني كنت أريد أن أهون عن نفسي، لكن هيهات، هيهات..
الدكتور: أنت تعانين من سرطان ثدي من الدرجة الثانية، وورم كبير بحجم 3 سنتيميترات أو أكثر، ستخضعين لعملية استئصال كلي للثدي، وبعدها لجلسات العلاج الكيمائي، الذي سيكون مفعوله قويا جدا: حالات غثيان، فقدان الشعر، تعب وإرهاق، انخفاض كريات الدم، والعديد من الأشياء الأخرى… تعب الدكتور من تعداد الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي، وقال مستنتجا: عزيزتي، ستتغير حياتك كليا، الله معك.
أنا من محبي التغييرات الجذرية في الحياة، أمل أنا من الروتين، أحب االتغيير، أحب أن أبدأ من الصفر، أحب أن أتسلق سلم الحياة الخطوة تلو الأخرى، لكنني في هذا اليوم، وجدت نفسي أصعد السلم مهرولة، أتجاوز كل الخطوات مسرعة، إلى اللاشيء.
لا أعرف إلى أين أنا ذاهبة؟ أو أين أنا؟ أو ماذا سيحدث لي؟ كنت مشوشة، خائفة، ضائعة، كنت في أوج ضعفي… قدماي لم تستطيعا حملي، كنت ثقيلة، ثقيلة جدا عليهما، أحس بأن جسمي صلب كالحجر وبارد، نعم أنا أشعر بالبرودة، بل بالحرارة، لست أدري ماذا يحدث لي، أريد فقط أن أحضن ابني، أريد أن أقبله، أريد أن أبكي، وأن تلمس يداه الصغيرتان وجهي، وأن تمسح دموعي، أريد أن أكحل عينيّ برؤيته… في هذه اللحظة بالذات، كانت أمنيتي الوحيدة أن أضم ابني إلى حضني، إلى صدري المريض… المثقل بالخوف والألم… أثقلني الخبر الذي نزل اليوم علي كالصاعقة… كنت أريد أن أغادر المكان، هذا المكان البائس، الذي سيكون من ضمن مشاويري اليومية… آه… كنت أريد فقط أن أمسك يد زوجي، وأن أذهب إلى البيت، وأن أعيش بسلام، وأن يكون كل هذا كابوسا، نعم، كابوس ما بعد القيلولة، التي أخذتها من بعد عودتي من مقابلة ابني في المدرسة، نعم إنه كابوس فقط، ليس هناك شيء، لست مريضة، وما بصدري هو كتلة دهنية من الحليب فقط…
يناديني الدكتور… تعالي، سنرى استشاري الأورام…
أمسك ذراعها، الطريق من هنا…
مسك زوجي يدى… زوجي حبيبي، حب حياتي ورفيق دربي، صديقي العزيز، الذي أحببته من أول يوم زار فيه القناة التي أضحينا فيما بعد زملاء مهنة معها… عيناه حزينتان، وكان يكرر على مسمعي: “ما في شيء، أنت بخير، كل شيء حيكون تمام، لا تخافي”.. كنت أسمعه، لكن لم أستطع أن أستوعب ما يقول، فلقد كنت مرعوبة، خائفة، تائهة، ثقيلة، وكنت أشعر بالبرد، بل كنت أرتجف… أرتجف كثيرا، خطواتي كانت ثقيلة جدا، لم أعد أقوى على المشي، ولست أرى أي أحد في صالات الانتظار، الوجوه لا تعنيني.
شيء ما ينزل ويبلل وجهي، شيء غزيز، غزير جدا.. هي الدموع الباردة، الساخنة، المحارقة…
يتبع