-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

آيزنكوت أم نتنياهو؟

آيزنكوت أم نتنياهو؟

تفضيل بعض التشكيلات العربية في القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة الفائزتين ببعض المقاعد في انتخابات الكنيست الأخيرة لغادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة خلفا لنتنياهو هو في اعتقادي من قبيل المفاضلة بين فرعون وهامان عملا بالمثل القائل “بعض الشر أهون من بعض”.

في الحقيقة  لا يوجد اختلافٌ جوهري بين سياسة  آيزنكوت وسياسة  نتنياهو فكلاهما متمسك بالطابع اليهودي لما يسمى “دولة إسرائيل”، وكلاهما له موقف متشدد تجاه المقاومة وتجاه الفلسطينيين، والفرق الوحيد بينهما أن نتنياهو قد غالى في نظر معارضيه في شن الحروب المكلفة والمتكلفة أحيانا، وأساء استخدام السلطة وجعل الدولة اليهودية تبعا للإملاءات الأمريكية. هذا ما يقوله المعارضون عن سياسة نتنياهو، والحقيقة أن هذه السياسة العنصرية ليست إلا الجزء الظاهر من السياسة اليهودية العامة التي لا تؤمن بالوجود العربي في فلسطين ولا تؤمن بشيء اسمه الدولة الفلسطينية.

رجح كثير من المتابعين للشأن الإسرائيلي هزيمة غير مسبوقة للائتلاف اليهودي الحاكم في إسرائيل بقيادة نتنياهو في انتخابات الكنيست بناء –كما قالوا- على حالة الغضب الشعبي المتصاعد في إسرائيل من نتنياهو ومن سياسته في إدارة الدولة، لكن نتائج هذه الانتخابات بينت بما لا يدع مجالا للشك بأن نتنياهو ليس إلا الواجهة الأمامية لعنصرية يهودية متنامية ومتغلغلة في المجتمع اليهودي ضد كل ما هو عربي وفلسطيني.

لقد أبانت الاتصالات السرية والمعلنة التي يجريها آيزنكوت لتشكيل الحكومة القادمة وقطع الطريق أمام ولاية جديدة لنتنياهو أنه متمسك بسلم أولويات ويعطي الأولوية في ذلك للأحزاب اليهودية ويرجئ اللجوء إلى الأحزاب العربية إلى حين استنفاد كل المحاولات والتأكد من عدم جدوى كل الاتصالات مع المعارضة اليهودية. ويعني هذا أنه في حالة تلقى آيزنكوت استجابة من الأحزاب اليهودية فإنه سيعرض عن الأحزاب العربية ويضرب الذكر عنها صفحا لأن آيزنكوت كان قد صرح في كثير من المناسبات أنه لا يميل ولا يؤمن بأي تحالف مع الأحزاب العربية، وإذا حدث العكس فإن هذا يندرج في إطار حالة الاضطرار السياسي لأنه لا يفضل عودة ائتلاف نتنياهو ولا يرضى أن يجد نفسه في مواجهة الإقصاء السياسي في حالة فشله في تشكيل الحكومة وتمكن نتنياهو من العودة.

إن خلاف آيزنكوت مع نتنياهو خلافٌ حول إدارة الشأن السياسي والعسكري وليس حول المبادئ العامة التي تقوم عليها الدولة اليهودية، فكلاهما يؤمن بفكرة الدولة اليهودية الفاضلة التي وُجدت لتبقى ووُجد غيرها ليعيش في كنفها عديم الإرادة وعديم القوة أو يواجه الإبعاد والاستبداد وهما أمران كلاهما مر.

إن خلاف آيزنكوت مع نتنياهو سببه رغبة كل منهما في الإمساك بزمام السلطة مما يصنَّف في علم الاجتماع السياسي في خانة الصراع على السلطة، ألم يكن آيزنكوت الذراع الأيمن لنتنياهو حينما رشحه هذا الأخير لمنصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وهو المنصب الذي تولاه في 16 فيفري 2025 خلفا لبيني غانتس؟ لو كان هناك أدنى شك لدى نتنياهو من أن آيزنكوت ليس الاختيار المناسب لما أبقاه كل هذه المدة قبل أن تحدث القطيعة بينهما لأسباب أقواها الصراع على السلطة.

جرائم كثيرة في جبين آيزنكوت:

لقد بدأ غادي آيزنكوت عمله العسكري في سن مبكرة وهو في الثامنة عشر من عمره، عمل قائد فرقة في العدوان الإسرائيلي على لبنان في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، ثم ضابط شعبة عمليات خلال عامي 1986 و1987، ورُقِّي بعدها ضابطا للعمليات وقائدا للمنطقة الشمالية ثم رُقِّي إلى رتبة عقيد في 1992، ثم عيِّن بعد عامين قائدا للواء “إفرايم” ثم قائدا للواء غولاني بين 1997 و1998، ورُقي إلى رتبة عميد في 1999.

في عام 2003، وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أدى آيزنكوت دورا كبيرا في إجهاض الانتفاضة واغتيال قادة المقاومة، وخلال عمله قائدا لفرقة الضفة الغربية أو يهودا والسامرة كما تسمى في العقيدة اليهودية ارتكب أثناءها ما ارتكب من جرائم بشعة في حق الفلسطينيين. ورُقِّي آيزنكوت إلى رتبة لواء وهي أعلى درجة في سلم الرتب العسكرية في دولة الكيان. كل هذه الترقيات كانت بحسب المنطق الإسرائيلي اعترافا بالجميل الذي أسداه آيزنكوت لدولة إسرائيل إذ القاعدة الإسرائيلية التي تغذيها الأفكار الصهيونية والعنصرية أن من يقتل أكثر هو الأولى بالترقية والمراتب العليا.

يحمل لواء إفرايم ولواء غولاني ذكريات حزينة للشعب الفلسطيني، فلواء أفرايم أو اللواء الإقليمي 421 هو أحد الألوية التابعة لفرقة الضفة الغربية ويتولى مسؤولية إدارة العمليات العسكرية والاقتحامات في مناطق شمال ووسط الضفة الغربية لاسيما منطقة قلقيلية وطولكرم. لقد وثقت منظمات حقوقية عدة استهدافات وعمليات قتل الأطفال الفلسطينيين التي قام بها هذا اللواء، ولهذا اللواء مسؤولية في التهجير القسري وتجريف المنازل ومن ذلك ما تعرّض له مخيم نور شمس في طولكرم ومحيطها، ولهذا اللواء أيضا مسؤولية عمليات تشديد الحصار والخنق الاقتصادي اللذين تعرضت لها منشآت حيوية في قلقيلية من خلال ملئها بالخرسانة لمنع السكان من استخدامها مما ضاعف من معاناتهم وتسبب في تضرر عدد كبير منهم. وهذا اللواء مسؤول عن الاقتحامات المنهجية والاعتقالات التعسفية التي طالت كثيرا من القرى والبلدات الفلسطينية.

ولا يقلّ لواء غولاني الذي هو أحد أبرز  ألوية النخبة في الجيش الإسرائيلي إجراما عن لواء أفرايم؛ فهذا اللواء مسؤول عن المجازر الفظيعة في غزة، وهذه الجرائم وثقتها المنظمات الحقوقية وكاميرات وسائل الإعلام التي استطاعت التسلل إلى مواقع هذه الجرائم بالرغم من حالة الإغلاق العسكري المحكم. وهذا اللواء مسؤولٌ عن مجزرة حي الشجاعية في ديسمبر 2023 و2026، وهذا اللواء مسؤول عن العدوان على لبنان وعن الجرائم وسلسلة الإعدامات الميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

بعد كل هذا الذي أشرت إليه من جرائم أفرايم وغولاني الذي اشتغل فيهما آيزنكوت قائدا وضابطا ساميا، وقد عفوت عن كثير، ما الذي يحمِّس الأحزاب العربية للتحالف مع آيزنكوت؟ إذا كان الغرض من ذلك إسقاط حكومة نتنياهو والبحث عن البديل فإن البديل المتمثل في آيزنكوت هو من قبيل اختيار السيئ لخلافة الأسوأ ولكن ليس هناك ضمانات ولا ثقة في القيادات الإسرائيلية فليس من المستبعد أن يغير آيزنكوت منهجه السياسي بعد انتخابه رئيسا لحكومة الاحتلال ويمارس سياسة أكثر انغلاقا وتعصبا ودموية من سلفه نتنياهو، وعندها ستخرج علينا الأحزاب العربية لتقول لنا لقد أخطأنا التقدير لأن “البقر تشابه علينا”.

آيزنكوت يهودي حتى النخاع:

إن اليهود ملة واحدة إلا بعض الاستثناءات الشاذة والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، فكون آيزنكوت من جذور عربية وينحدر من عائلة يهودية مغربية هاجرت من فاس قد يغري بعض الأحزاب العربية الفائزة في انتخابات الكنيست بجعله الخيار الأفضل لأي تحالف يحسن مستقبلا من تموقعها في الساحة السياسية، ويضع عنها إصرها والأغلال التي كانت عليها في زمن نتنياهو. لا ينبغي أن تبالغ الأحزاب العربية في التفاؤل وفي إبداء حسن النية المطلقة في آيزنكوت الذي قد ينقلب عليها في أي لحظة؛ فآيزنكوت لا يخفي ولاءه للصهيونية وليس في الفكر الصهيوني ما يشجع على الاطمئنان إليه، فقد تغرك رقصة الأفعى وتستهويك ولكنها قد تلدغك في أي لحظة وعلى حين غرة.

لقد أبدى آيزنكوت استعداده للتحالف مع الأحزاب العربية ولكن بشروط أربعة لا تخدم التيار العربي بل تخدم أجندته السياسية ومن هذه الشروط التي أعلن عنها في منشور له في حسابه على منصة إكس: “الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية قائمة على المساواة، والالتزام بقيم وثيقة الاستقلال، وفرض الخدمة العسكرية أو المدنية الإلزامية على جميع المواطنين دون استثناء، والإقرار بضرورة القضاء التام على القدرات العسكرية لحركة حماس واعتبارها منظمة إرهابية”. إذا كان التحالف مع آيزنكوت في مقابل الاعتراف بوثيقة الاستقلال المزعومة التي تجعل العنصر الفلسطيني  عنصرا مهمشا، وإذا كان التحالف مع آيزنكوت مقابل شيطنة المقاومة فلا مرحبا بهذا التحالف ولا جدوى منه.

ليس للعرب المقيمين في إسرائيل بعد النكبة وقيام الكيان المصطنع من خيار للتقيد بالصبغة اليهودية وبالنظام السياسي العلماني الليبرالي لهذا الكيان ولكن لهم الخيار الأوسع في فرض وجودهم كتيار سياسي عربي لا يتحالف ضد شعبه ولا يقايض ولا يساوم على القيم العربية التي يحملها، فإن هو فرّط في ذلك تغليبا للمصلحة السياسية فقدَ حاضنته العربية وتداعت عليه الأحزاب اليمينية وربما يتلاشى بعد ذلك من الساحة السياسية.

آيزنكوت وعقيدة الضاحية:

يعرًف آيزنكوت بأنه مهندس ما يسمى “عقيدة الضاحية” القائمة على تدمير البنية التحتية بطريقة عشوائية تعتبر كل سكان المدن محاربين أو غير محاربين قوى معادية لإسرائيل أو أذرعا للمقاومة، ومن ثمّ فإن قطعها أولى من إبقائها، ويندرج هذا ضمن السياسة الأمنية الشاملة التي يرى آيزنكوت بأنها ضرورية لحماية الأمن القومي اليهودي ومواجهة الخطر المحدق بإسرائيل قبل وقوعه.

إن “عقيدة الضاحية” التي يتبناها آيزنكوت هي شكلٌ من أشكال العقاب الجماعي المخالف للقانون الدولي الإنساني ولاتفاقيات جنيف وللأعراف الدولية التي توجب حماية المدنيين في مواقع النزاع. وقد استمد اسم “عقيدة الضاحية” من الضاحية الجنوبية في لبنان التي كانت هدفا لعمليات القصف العشوائي الذي أوقع كثيرا من الشهداء والذي تبرّره إسرائيل في كل مرة بأنه خيارٌ لا بديل عنه ولا يستهدف المدنيين ولكن يستهدف البنية التحتية لحزب الله.

آيزنكوت والتناغم مع واشنطن بشأن إيران

في حالة انتخابه رئيسا لحكومة الاحتلال، هل يستمر التناغم بين إسرائيل وواشنطن في الملفات الحساسة وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني  والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟ وهل يستطيع آيزنكوت وقف الحرب على إيران متجاوزا رغبة دونالد ترامب؟ لا يبدو أن آيزنكوت قادر على القيام بذلك ومن ثمّ سيكون مجبرا لا مخيرا في الرضوخ لما يقرره البيت الأبيض وهذا يعني تكرار سياسة نتنياهو، وهذا من شأنه أن يؤلِّب قطاعا هاما من الإسرائيليين ضده بتهمة إتِّباع نهج سلفه نتنياهو.

قد يحدث بعض التناغم بين آيزنكوت وترامب بشأن الملف النووي والتنسيق والعمل السياسي المشترك ولكن آيزنكوت لا يفضِّل سياسة إسقاط النظام الإيراني التي راهن عليها نتنياهو لعدم واقعيتها في نظر آيزنكوت ولكونها طموحا سياسيا مبالغا فيه، فتأمين الجبهة الداخلية في إسرائيل والحرص على تماسكها من أهم ما يسعى آيزنكوت لتحقيقه في حالة انتخابه رئيسا لحكومة الكيان.

ما الذي يحمِّس الأحزاب العربية للتحالف مع آيزنكوت؟ إذا كان الغرض من ذلك إسقاط حكومة نتنياهو والبحث عن البديل فإن البديل المتمثل في آيزنكوت هو من قبيل اختيار السيئ لخلافة الأسوأ ولكن ليس هناك ضمانات ولا ثقة في القيادات الإسرائيلية فليس من المستبعد أن يغير آيزنكوت منهجه السياسي بعد انتخابه رئيسا لحكومة الاحتلال ويمارس سياسة أكثر انغلاقا وتعصبا ودموية من سلفه نتنياهو، وعندها ستخرج علينا الأحزاب العربية لتقول لنا لقد أخطأنا التقدير لأن “البقر تشابه علينا”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!